الوريثه متابعه 👈#روايات_مشيره_محمد

لمحة نيوز

كانت اول مرة عاصم يشوف بنته الكفيفة ياسمين وهي بتضرب بني آدم..... 
إيده راحت فوراً على المسدس اللي تحت الجاكيت.
مش عشان ياسمين كانت في خطر.. لأ، عشان هي أصلاً ما كانتش في خطر.
وده اللي خلاه يتسمر مكانه على باب مخزن المشروبات القديم تحت قصره في المنصورية، إيد ماسكة الأكرة النحاس، والمطر لسه بيلمع على كتاف البالطو الأسود بتاعه.
بنت ال 12 سنة كانت واقفة حافية على سجادة تدريب، وماسكة عصايتين خشب في إيديها.. عينيها الباهتة اللي مابتشوفش من يوم ما اتولدت كانت موجهة في الفراغ، بس وشها كان رايح ناحية الست اللي بتلف حواليها.
هناء، الشغالة الهادية اللي عينها من أربع شهور، كانت بتتحرك حواليها بتركيز وهدوء زي الصياد.
هناء قالت بجمود تاني.
وهجمت فجأة.. العصاية نزلت في اتجاه كتف ياسمين الشمال بسرعة خلت الهوا يصفر.
عاصم أخد خطوة لقدام، بس ياسمين كانت أسرع.
ما رجعتش لورا بخوف، ولا رفعت إيديها وهي مرعوبة.. بالعكس، دي لفت ناحية الضربة، وحركت وسطها، وصدت العصاية بضربة تانية عكسية بكل دقة.
صوت خبط الخشب في بعضه عمل صدى في القبو زي ضرب النار.
عاصم نفسه انقطع.
وش ياسمين كان محمر، وشعرها فك من الضفيرة، والعرق غرق قميص التدريب، وكان فيه كدمة بدأت تظهر على دراعها.. بس إيديها كانت ثابتة زي الصخر.
هناء قالت لها كويس.. إنتي سمعتي نقلة رجلي، بس استنيتي الصوت بدل ما تحسي بالنية.. النية بتيجي الأول.
ياسمين هزت رأسها وهي بتنهج تاني.
عاصم نطق بحزم لأ.
الاثنين لفوا ناحية الصوت.
وش ياسمين نور للحظة بابا؟
بعدين حست بسكوته، فالنور اللي في وشها اختفى.
عاصم دخل القبو، والحراس اللي وراه وقفوا مكانهم وما دخلوش.. هما عارفين إن عاصم السيوفي لما بيدخل مكان بيبقى عايز يا إما الخصوصية يا إما الطاعة، والاثنين بيفرضهم بنفس الطريقة.
سأل بصوت واطي وبارد، وده كان أرعب حاجة فيه إيه المهزلة اللي بتحصل هنا دي؟
هناء نزلت العصاية.. كانت ست شكلها عادي جداً بذكاء؛ شعر أسود ملموم، سترة رمادي، وبنطلون أسود.. مفيش أي مجوهرات غير سلسلة فضة رفيعة في رقبتها.. في النور تبان ست عادية ممكن تنساها في ثانية.
بس هنا تحت، وهي ماسكة العصاية وواقفة وقفة محارب، كانت باينة كأنها سر حد حاول يدفنه وفشل.
هناء قالت ببرود بعلم ياسمين.
عاصم جز على سنانه بتعلميها إيه؟ إزاي تتكسر وتتأذي؟
ردت عليه لأ.. بعلمها إزاي ما تتأذيش.
ياسمين قربت من صوته بابا، أرجوك ما تضايقش.
اطلعي فوق يا ياسمين.
لأ.
الكلمة دي وقعت على ودنه أصعب من خبطة العصاية.. عاصم برّق لبنته ياسمين!
قلت لأ.. صوتها كان بيترعش بس وقفت مفرودة أكتر مالكش حق تسحبني

من كل أوضة بحس فيها أخيراً إني عايشة حياتي بجد.
الوجع نهش قلبه للحظة قبل ما يتحول لغضب إنتي عندك 12 سنة.. وكفيفة.. وبنتي! مالكيش حق تقرري إيه هو الخطر في البيت ده.
ياسمين ضغطت على شفايفها لأ.. إنت اللي بتقرر كل حاجة.. أمشي في أنهي طرقة، أركب أنهي عربية، مين يكلمني، وأنهي شباك يفضل مقفول.. حتى الأصحاب اللي بتشوفهم خطر، والمطاعم اللي بتختارها عشان مخارج الطوارئ بتاعتها.. إنت مسمي ده أمان، بس الحقيقة إنه دفن بالحيا في بيت شيك.
عاصم حذرها ياسمين..
هي مسكت العصاية بقوة إنت دايماً بتقول إنك عايز تحميني، بس عمرك ما سألتني لو كنت عايزة أعيش محمية أصلاً.
المكان سكت تماماً مفيش غير صوت المواسير القديمة في الحيطة.
عاصم بص لهناء إنتي اللي حطيتي الكلام ده في دماغها؟
هناء ردت لأ.. الكلام ده كان جواها من قبل ما آجي.. أنا بس سكتّ كفاية عشان أسمعها وهي بتقوله.
أعصابه شاطت إنتي مطرودة.
ياسمين اتخضت، بس هناء متهزش فيها شعرة.
قالت بهدوء لأ يا سيد عاصم.. أنا مش مطرودة.
الحراس اللي برا بدأوا يتحركوا بقلق.
عاصم قطع المسافة اللي بينهم في تلات خطوات بطيئة.. كان طويل، عريض المنكبين، ولابس بدلة سوداء بتخلي رجالة مجلس الإدارة يبتسموا برعب، ورجالة الشوارع ينسوا إزاي يكذبوا.. عيلته بتمتلك مطاعم، وشركات شحن، ومقاولات، وعقود أمن خاصة، وحتت في مصر محدش يجرؤ يقول إنها للبيع.
أغلب الناس بتنزل عينيها الأرض لما عاصم السيوفي يقرب.. بس هناء فضلت باصة في عينه.
قالها اختاري نبرة صوتك وكلامك كويس.
أنا دايماً بعمل كده.
إنتي دخلتي بيتي بأوراق مزورة وادعاءات كدابة.
أنا جيت عشان أنضف بيتك.
ودلوقتي بتعلمي بنتي الكفيفة القتال في القبو بتاعي؟
هي اللي طلبت مني.
دي طفلة!
دي وريثتك.
الكلمة دي وقعت بينهم زي السكينة اللي بتترشق في نص الترابيزة.
ياسمين لفت وشها ناحية هناء، وعاصم ملامحه بقت أبرد من التلج بنتي ملهاش علاقة بشغلي.
هناء وشها ما اتغيرش وقالتله أعداءك مش موافقين على الكلام ده.
عاصم قبض إيده بقوة قولي الكلمة دي تاني كده..
متابعه روايات_مشيره_محمد
ساد صمت رهيب في القبو، لدرجة أن صوت قطرات المطر التي تضرب زجاج النافذة العلوية الصغيرة أصبح مسموعاً كدق الساعات.
اقترب عاصم خطوة أخرى، هيبته الطاغية كفيلة بجعل أعتى الرجال يتراجعون، وهمس بصوت أشبه بفحيح الأفعى أنا سألتك سؤال.. ومبكرروش. قولي الكلمة دي تاني كده، ووريني إزاي هتخرجي من بوابات القصر ده على رجليكي.
هناء لم ترمش. بل على العكس، أرخت كتفيها قليلاً في وقفة تدل على ثقة مطلقة، وقالت بنبرة هادئة هزت أركان الغرفة أعداءك مش موافقين يا سيد عاصم.
واليوم اللي إنت خايف منه جه خلاص.. البارون رجع مصر.
في تلك اللحظة، تحولت عينا عاصم من الغضب الجارف إلى برود مخيف. البارون.. الاسم الذي ظن أنه دفنه في رمال سيناء قبل عشر سنوات، الاسم الذي دفع ثمن غيابه دماً ونفوذاً.
ياسمين، رغم صغر سنها وعدم فهمها الكامل للاسم، شعرت ببرودة الجو المفاجئة. حواسها المدربة التقطت تسارع أنفاس والدها للحظة واحدة، قبل أن يعود لجموده. قالت بصوت مهتز بابا؟ مين البارون؟
عاصم لم يرد عليها، بل ظل مثبتاً نظراته الثاقبة على هناء. سألها إنتي مين بالظبط؟
هناء رفعت يدها ببطء، وبحركة واثقة خلعت السلسلة الفضية الرفيعة من رقبتها. لم تكن مجرد سلسلة، بل كانت تحمل قلادة صغيرة على شكل صقر مجنح مقطوع الجناح الأيسر. رمز فرقة الاغتيالات الخاصة التي كانت تعمل لصالح عاصم قديمًا، قبل أن يتم حلّها وتصفيتها بالكامل.
انعقد حاجبا عاصم، وهمس بصدمة مكتومة مستحيل.. فرقة الصقر ماتوا كلهم في عملية العريش.
مش كلهم، ردت هناء وهي تضع القلادة في جيب سكرتيرتها الرمادية. أنا عشت عشان أحمي اللي باقي من ريحة القائد سليم.. وسليم قبل ما يموت قالي إن لو جراله حاجة، بنتك ياسمين هتبقى الهدف الأول لتصفية الحسابات. أنا مدخلتش بيتك عشان أشتغل شغالة يا عاصم بيه.. أنا دخلت هنا عشان السور ده مش هيحمي بنتك لما الحرب تبدأ.
في هذه الأثناء، تحرك أحد الحراس بالخارج وفتح الباب خطوة واحدة قائلًا بتوتر عاصم بيه.. اللاسلكي شغال، فيه حركة غريبة عند السور الغربي للقصر، الأنوار انقطعت هناك!
لم ينتظر عاصم. غريزة الصياد ورجل الأعمال الذي أدار الأزمات بالحديد والنار تحركت في عروقه. التفت فوراً إلى ياسمين، وبحركة سريعة جذبها خلف ظهره، يده الأخرى نزعت المسدس من تحت الجاكيت بلمحة بصر.
لكن ياسمين لم تستسلم للخوف؛ قبضت على ذراع والدها بقوة وقالت بابا! هناء مش عدوتك.. هناء كانت بتجهزني لليوم ده!
عاصم بص لهناء التي كانت قد انحنت بالفعل والتقطت العصايتين الخشب الخشنة، ووقفت في وضعية استعداد وكأنها جزء من حوائط القبو.
قال عاصم بصوت حاسم وعينيه تشعان ببريق الموت هنشوف الحكاية دي بعدين.. لو طلعتي كدابة، الرصاصة الأولى هتكون في راسك. بس دلوقتي.. وريني هتحمي بنتي إزاي.
فجأة، دويّ صوت انفجار مكتوم عند البوابة الخارجية للمخزن، وتناثر الغبار من السقف.. الحرب التي قضى عاصم السيوفي عمره يحاول إبعادها عن ابنته الكفيفة، اقتحمت عقر دارهم، ولم يعد أمام ياسمين سوى الاعتماد على السمع، والنية.. والنبرة التي علمتها لها هناء.
صوت دويّ الانفجار كان لسه بيصفر في ودن ياسمين، بس الغريب إنها ما صرختش. الهلع اللي
بيصيب أي طفل في سنها اتمحى تماماً، وحل محله تركيز رهيب. ودنها كانت بتتحرك مع كل حركة هوا في المكان، وكأنها بتكحل عينيها بالسمع.
عاصم سحبها ورا ضهره أكتر، وضهرها ساند على الحيطة الخرسانية الساقعة للقبو. الحارس اللي كان على الباب وقع على الأرض، وجسمه اتزحلق لجوا، والدم بدأ يسيل من تحت راسه ويلمع تحت الإضاءة الطوارئ الحمراء اللي اشتغلت فجأة بعد ما النور الرئيسي انقطع.
ثبتي مكانك!.. عاصم قالها لبنته بنبرة فهد بيحمي عرينه، ورفع مسدسه ال جلوك النمساوي، عينيه كانت بتراقب الدخان الرمادي اللي بدأ يدخل من فتحة الباب المكسور.
من وسط الدخان، ظهرت تلات ظلال.. رجالة لابسين أقنعة سوداء، وفي إيديهم أسلحة كاتمة للصوت. مفيش كلام، مفيش تفاهم.. هجوم احترافي صامت.
الراجل الأول رفع سلاحه في اتجاه عاصم، بس عاصم كان أسرع؛ وضغط على الزناد مرتين. صوت ضرب النار في المكان المقفول كان مرعب، الطلقتين استقروا في صدر المهاجم الأول اللي وقع مكانه زي الشوال.
في نفس اللحظة، المهاجم الثاني لمح ياسمين ووجه سلاحه ناحيتها، عاصم حاول يلف عشان يغطيتها بجسمه، بس المسافة كانت بعيدة.
هنا، الهوا صفر.
عصاية هناء الخشبية طارت في الجو بلفّة دائرية سريعة زي المروحة، وخبطت إيد الراجل التاني بكل قوة. صوت كسر عضم المعصم كان واضح، السلاح وقع من إيده، وقبل ما يستوعب الصدمة، هناء كانت طارت في الهوا، ورجلها نزلت في نص صدره بكل ثقلها، رمته على الأرض وغرست بوز العصاية التانية في حنجرته.. الراجل جحّظ عينيه وانتهى في ثواني.
الراجل الثالث استغل إن ظهر هناء مكشوف، ورفع طبنجته عشان يصفّيها.
على يمينك يا هناء!.. تلت خطوات.. واطي!.. الصوت ده ما كانش صوت عاصم. ده كان صوت ياسمين.
ياسمين سمعت سحبة أجزاء السلاح الثالث، وحسبت اتجاه الصوت والنفس في الأوضة بدقة مرعبة. هناء ما فكرتش لثانية في كلام البنت؛ رمت جسمها على الأرض فوراً. الطلقة عدت من فوق راسها بمليمترات وضربت في الحيطة وراها، وفتتت الطوب الصخري.
عاصم استغل الكسر من الثانية ده، وتصويبته الثالثة كانت في جبهة المهاجم الأخير.. الغبار بدأ يهدأ، وتلات جثث بقوا على أرضية القبو.
عاصم كان بينهج، بص ل بنته بذهول ممزوج برعب حقيقي.. البنت ما شافتش الراجل، بس عرفت مكانه وحركته قبل ما يضرب. بص ل هناء اللي قامت تقف وهي بتنفض التراب عن سكرتيرتها الرمادية وكأنها كانت في نزهة، وقالت لعاصم وهي بتنهج ببطء قلتلك.. النية بتيجي الأول، وهي بتسمع النية قبل الصوت.
عاصم نزل مسدسه نسبياً، بس عينيه لسه فيها غدر دول مش رجالة البارون.. دول قناصة مأجورين، البارون مبيبعتش رجالة مقنعين،
البارون بيحب يسيب توقيعه.
هناء قربت من الجثة الأولى، وبإيد ثابتة، شدت القناع الأسود عن وش
تم نسخ الرابط