الوريثه متابعه 👈#روايات_مشيره_محمد
المحتويات
الراجل الميت. لفت وشه لعاصم، وعلى رقبة الراجل من ورا، كان فيه وشم صغير باللون الأزرق تعبان الكوبرا الأعمى.
وجه عاصم خطف لونه، والمسدس كاد يقع من إيده. الوشم ده ميكنش غير ل عشيرة الغريب.. الشركاء القدامى لعاصم في شركات الشحن، واللي عاصم قطع حبل ودّهم من سنين.
هناء بصتله وقالت بمرارة البارون مارجعش لوحده يا عاصم بيه.. البارون جمع كل الناس اللي إنت دست عليهم وإنت بتكبر وقرروا يصفوا الحساب دفعة واحدة.. والقصر ده مبقاش أمان.. لا ليك، ولا للوريثة.
فجأة، صوت جهاز اللاسلكي اللي في جيب الحارس الميت على الأرض اشتغل، وطلع منه صوت فحيح حاد، صوت راجل عجوز بس نبرته حادة زي الموس عاصم.. وحشتني يا صاحبي. تلاتة بس اللي دخلوا من البوابة الخلفية، اعتبرهم كارت تعارف.. الدفعة الكبيرة مستنياك برا على طريق المنصورية.. سلمني البنت، وهسيبك تموت في سريرك.
عاصم داس بجزمته على جهاز اللاسلكي دمره تماماً، وبص ل هناء، وبعدين بص لياسمين اللي كانت واقفة مفرودة، وماسكة عصايتها الخشبية بقوة، ومستنية القرار.
عاصم قرب من بنته، وحط إيده الكبيرة على كتفها لأول مرة بحنان حقيقي مش مجرد خوف عليها، وقال بصوت هز جدران القبو هناء.. لبّسي البنت جزمتها. مفيش خروج من البوابات.. إحنا هنخرج من الممر القديم اللي تحت المزرعة.
بص ل بنته وقال ياسمين.. من النهارده، مفيش جدران هتحبسك.. بس من النهارده، إنتي معايا في الحرب.
ياسمين هزت راسها، وابتسامة ثقة صغيرة ظهرت على وشها أنا جاهزة يا بابا.
الممر السري القديم كان ضيق، ضلمة، وريحة التراب والرطوبة فيه بتخنق النفس.
عاصم كان ماشي في الأول، حاطط إيده على الزناد، وعينيه بتخترق الضلمة زي الصقر. وراه علطول كانت ياسمين، إيدها الشمال ماسكة في طرف بالطو أبوها، وإيدها اليمين قفشة في العصاية الخشبية كأنها حبل النجاة الوحيد. هناء كانت بتأمن الضهر، بتمشي بمرونة وخفة ومن غير ما تعمل أي صوت، وكأنها طيف ملوش وجود.
صوت ضرب النار بره بدأ يبعد بالتدريج، بس صدى صوت المطر المكتوم كان لسه مسموع من فوق الجدران الخرسانية للممر.
ياسمين وقفت فجأة.
عاصم حس بوقفتها، لف ليها بسرعة وهمس في إيه يا ياسمين؟ سمعتي حاجة؟
ياسمين هقّت ببطء، ومالت براسها ناحية الحيطة اليمين مش صوت.. فيه هواء سخن جاي من المجرى ده يا بابا، وفيه ريحة بنزين.. خفيفة أوي، بس موجودة.
هناء قربت بسرعة، حطت إيدها على الحيطة وفحصت شق صغير في الخرسانة، ملامحها اتشدت وقالت بصوت واطي البنت عندها حق.. الممر ده متفخخ. البارون مش غبي، هو عارف المخرج ده كويس وزرع فيه متفجرات مستنية أي حركة.
عاصم جز على
هناء بصت ل عاصم وقالت بثبات فيه مخرج تاني.. مجرى التهوية القديم اللي بيفتح على اسطبل الخيل المهجور في أخر المزرعة. بس السلك بتاعه تقيل ومحتاج قوة، والمسافة هتبقى ضيقة جداً.
عاصم أخد نفس عميق وبص ل بنته الكفيفة اللي كانت واقفة في وسط الضلمة دي بكل شجاعة، مفيش في عينيها الباهتة أي أثر للدموع. حس بفخر غريب أول مرة يجربه في حياته. شالها بين إيديه الكبار وقالها امسكي في رقبتي كويس يا ياسمين.. المرة دي أنا اللي هكون عينيكي، وإنتي هتكوني السمع بتاعي.
ياسمين كلبشت في قميصه وهزت راسها أنا معاك يا بابا.
بدأوا يتحركوا في اتجاه مجرى التهوية. المكان كان أضيق بكتير، عاصم كان بيزحف بجسمه العريض وهو شايل ياسمين، وهناء وراهم بتزق غطاء الحديد القديم. الأنفاس كانت مكتومة، والضغط العصبي كان في أعلى درجاته.
بعد تلت ساعة من العذاب والزحف في وسط التراب، ظهر شعاع نور ضعيف جاي من فتحة المجرى اللي بتطل على الاسطبل.
عاصم زق الشبكة الحديدية بكل قوته لحد ما اتخلعت ووقعت على القش المخزن تحت. نزل الأول وخلى حركته خفيفة، وبعدين نزل ياسمين، ونزلت وراهم هناء.
الاسطبل كان ضلمة ومفتوح، الهوا البارد والمطر بره كانوا بيضربوا في وشوشهم. وفجأة.. الأنوار الكاشفة للمزرعة كلها اشتغلت دفعة واحدة وسلطت ضوءها الأبيض المرعب على باب الاسطبل!
صوت خطوات جزم عسكرية تقيلة بدأت تقرب من بره، وصوت تعمير السلاح الآلي عمل صدى يرعب القلوب.
من وسط النور الكاشف، ظهر ظل راجل عجوز، ماسك عصاية أبنوس بيمشي عليها، وفي إيده التانية سيجار بيولع في الضلمة.
الراجل ضحك ضحكة مبحوحة وساخرة، وقال بصوت عالي منور يا عاصم.. كنت عارف إنك هتخرج من هنا. الغزال دايماً بيلجأ لأخر جحر يعرفه لما الأسود تحاصره.. سلمني الوريثة يا صاحبي، وخلينا ننهي قصة السيوفي النهارده بالذوق.
عاصم وقف بكل طوله، وعينيه بقت كتلة نار، رفع مسدسه ووجهه ناحية الصوت، وهو عارف إن الدائرة اتقفلت عليهم.. ومبقاش فيه مجال للهرب.
صوت وقع عصا الأبنوس على الأرضية الخرسانية كان منتظماً وبارداً، كأنه بندول ساعة بيعد الدقائق الأخيرة.
عاصم ما نزلش مسدسه، بل ثبت تصويبه على نص جبهة الراجل العجوز اللي واقف وسط الضوء الكاشف. وقال بنبرة تزلزل المكان البارون.. عشر سنين يا عجوز النار وإنت عايش في المخابئ زي الفئران، وراجع النهارده وفاكر إنك تقدر تقف على أرضي وتملي شروطك؟
البارون أخد نفس طويل من السيجار،
في اللحظة دي، ياسمين كانت واقفة ورا أبوها.. حواسها كانت في أعلى درجات الاستنفار. المطر اللي بينزل على سقف الصاج بتاع الاسطبل كان بيعمل دوشة، بس هي قدرت تفصل الدوشة دي وتسمع تفاصيل تانية.
همست بصوت واطي جداً وهي بتميل على هناء هناء.. فيه أربعة بره في النور الكاشف.. وفيه اتنين مستخبيين ورا عربيات النقل على الشمال.. بس فيه نفس قريب جداً.. فوقينا.. على سقف الاسطبل!
هناء لفت عينها بسرعة لفوق؛ السقف الصاج كان فيه فتحات تهوية قديمة. لمحت ظل بيتحرك ببطء ومعاه بندقية قناصة بيثبتها في اتجاه راس عاصم.
بلمح البصر، وبدون ما تتردد ثانية واحدة، هناء ما استخدمتش العصاية المرة دي؛ مدت إيدها في جيب جاكيت عاصم الساقط على الأرض وسحبت منه مخزن رصاص إضافي، وبحركة خاطفة حدفته بكل قوتها في اتجاه الفتحة اللي فوق. المخزن خبط في الصاج وعمل صوت رنة قوية خلت القناص يتلخبط وضغطة إيده على الزناد تفلت.
الطلقة طلعت بره الاتجاه وضربت في الأرض تحت رجلين عاصم.
اضرب يا بابا!.. اللي واقف على السقف!.. صرخت ياسمين وهي بتحدد الاتجاه بالصوت.
عاصم ما كدبش خبر، رفع إيده لفوق وضغط على الزناد تلات مرات متتالية. الصاج اتهز، وصوت صرخة مكتومة دوت فوق، قبل ما جثة القناص تقع من الفتحة وتنزل على كومة القش بجنبهم.
البارون وشه اتقلب، والابتسامة الساخرة اختفت في ثانية. صرخ بغضب في رجالته صفّوهم!! مش عايز حد صاحي غير البنت!
الاسطبل تحول لساحة حرب مفتوحة. رجالة البارون بدأوا يضربوا نار بكثافة. عاصم أخد ساتر ورا عربية نقل قديمة مخرومة الكاوتش، وبدأ يبادلهم الضرب بدقة واحترافية رعبت رجالة الشوارع اللي مع البارون.
هناء سحبت ياسمين ورا صندوق خشب كبير ياسمين.. اسمعيني كويس. النور الكاشف اللي بره ده هو عينيهم.. لو النور ده انطفى، هيبقوا عميان زيك، بس إنتي الميزة هتبقى ليكي.. إنتي بتشوفي بالسمع، هما لاء.
ياسمين هزت راسها بقوة سلك الكهرباء الرئيسي بتاع الكشافات ماشي في المواسير اللي ورا ضهرك يا هناء.. أنا سامعة ذبذبة الكهرباء فيه!
هناء لفت، وبكل غلها ضربت بالعصاية الخشبية على الماسورة البلاستيك لحد ما اتكسرت، وظهرت السلوك من جواها. وبعصاية تانية عازلة، شدت السلوك وقطعتها دفعة واحدة.
تشششش!
الشرار طار في الجو، وفي
صوت هرج ومرج بدأ بره.. رجالة البارون بدأوا يصرخوا برعب مش شايفين حاجة! شغلوا كشافات العربيات! بسرعة!
من وسط الضلمة، سُمع صوت ضحكة صغيرة.. ضحكة ياسمين.
مسكت العصايتين الخشب بتوعها بكل ثقة، وبصت ل هناء اللي مش شايفاها بس حاسة بيها، وقالت بنبرة خالية من أي خوف دلوقتي.. دوري أنا.
الظلام كان حاسم ومطلق، من النوع اللي يخلي البني آدم يمد إيده قدام وشه وميشوفهاش. في اللحظة دي، موازين القوة اتقلبت بالكامل؛ رجالة البارون المحترفين اتحولوا لأطفال مرعوبين في أوضة ضلمة، بيخبطوا في بعض وصوت أنفاسهم العالية والمتوترة كان مالي المكان.
أما ياسمين.. فالعالم بالنسبة ليها مأتغيرش، بل بالعكس، بقى أوضح وأهدى. الدوشة البصرية اللي كانت محوطاهم اختفت، ومبقاش فيه غير لغة السمع اللي هي ملكتها من يوم ما اتولدت.
خطوتين على الشمال.. تراجع.. اضرب يا بابا!.. همست ياسمين لعاصم.
عاصم اللي كان واثق في بنته عمياني، تحرك زي ما قالت بالظبط، ووجه مسدسه وضغط على الزناد. صوت الطلقة اخترق الضلمة، وراه علطول صوت جثة بقع على الأرض.
واحد من اللي ورا العربية وقع ياسمين قالتها بثقة وهي بتتحرك بخفة زي الفهد وسط الصناديق.
في نفس الوقت، هناء كانت بتتحرك في الجانب التاني زي الشبح. رجالة البارون بدأوا يضربوا نار عشوائي في كل حتة من كتر الرعب، فلاشات ضرب النار كانت بتنور المكان لأجزاء من الثانية وتختفي.
واحد من الرجالة كان واقف قريب من صندوق خشب، بيحاول يولع كشاف موبايله وإيده بتترعش. ياسمين سمعت طقطقة زراير الموبايل، وبحركة سريعة ومدروسة، لفت وسطها وضربت بالعصا الخشبية بكل قوتها على كاحل رجله.
الراجل صرخ من الألم ووقع على ركبه، وقبل ما يرفع صوته أكتر، كانت العصاية التانية بتخبطه في صدغه.. سكت تماماً ووقع على الأرض.
فيه اتنين بيقربوا من الباب يا هناء.. خطوتهم سريعة ياسمين نبهت هناء بالصوت.
هناء استغلت فلاش طلقة طارت في الجو، وطارت في اتجاه الصوت. في ثواني، سُمع صوت تلاحم جسدي عنيف، خبطات العصايا الخشبية بتنزل بدقة على المفاصل، وصيحات ألم مكتومة انتهت بصوت وقوع أسلحتهم على الأرض.
البارون بره كان بيصرخ زي المجنون، صوته العجوز الحاد كان بيترعش من الغضب والذهول إيه اللي بيحصل جوه؟ يا بهايم! حد يشغل كشافات العربيات بره! بقولكم شغلوا الزفت!
فجأة، الموتور بتاع عربية جيب بره اشتغل، والنور العالي بتاعها نور كشافاته في اتجاه باب الاسطبل. الضوء بدأ يتسرب لجوا تدريجياً،
عاصم كان واقف وسط الجثث، ومسدسه خلاص
متابعة القراءة