الوريثه متابعه 👈#روايات_مشيره_محمد

لمحة نيوز

مابقاش فيه غير طلقات معدودة. بص ل البارون اللي كان واقف ورا كشاف العربية الجيب، ملامحه العجوزة باين عليها الرعب لأول مرة.
البارون لمح عاصم، وبحركة يائسة سحب طبنجة صغيرة من جيبه ووجهها ناحية عاصم.
لكن ياسمين كانت أسرع من حركة إيده. بكل ما أوتيت من قوة، حدفت العصاية الخشبية الطويلة اللي في إيدها في اتجاه الصوت والنور. العصاية طارت بشكل مستقيم وخبطت إيد البارون مباشرة قبل ما يضغط على الزناد، الطبنجة طارت من إيده واستقرت في الطين.
عاصم قطع المسافة اللي بينهم في ثانيتين. وفي النور العالي للعربية، ظهر ظل عاصم الطاغي وهو بيقبض بإيده الحديدية على رقبة البارون ويرفعه لفوق وضهره مخبوط في كبوت العربية الساخن.
عاصم همس في وشه، ونبرته كانت أبرد من المطر اللي نازل عليهم اللعبة انتهت يا بارون.. وإنت اللي نسيت أصلك. أنا مش عاصم بتاع زمان.. أنا عاصم اللي بنته الكفيفة هزمت رجالتك في الضلمة.
البارون كان بيطلع في الروح، عينيه كانت بتلف برعب وهو بيبص ورا عاصم.. شاف ياسمين واقفة مفرودة، المطر بيغسل وشها، وماسكة عصايتها التانية بثبات.. وجنبها هناء اللي واقفة زي حارس المقابر.
هناء قربت وقالت بصوت حازم عاصم بيه.. الرجالة اللي بره السور هيهربوا أول ما يعرفوا إن البارون وقع. لازم نتحرك فوراً.. طريق المنصورية مابقاش أمان، ولازم نأمن البنت في مكان محدش يعرفه.
عاصم رمى البارون على الأرض كأنه جثة هامدة، وبص ل بنته ياسمين. قلع البالطو الأسود بتاعه اللي غرقان مطر، وحطه على كتافها الصغيرة، ومسح المطر عن وشها.
قالها بفخر واعتزاز سمعتي النية كويس يا ياسمين؟
ياسمين ابتسمت، وهزت راسها سمعتها يا بابا.. وعرفت إننا هنكسب.
عاصم لف ل هناء وقال جهزي العربية الجيب دي.. إحنا طالعين على المدافن القديمة في أكتوبر.. المكان الوحيد اللي محدش يتوقع إن عاصم السيوفي يستخبى فيه.. هناك هنبدأ نخطط للحرب بجد.
صوت الموتور بتاع العربية الجيب كان بيجأر في وسط الضلمة والمطر، وكأنه وحش بيستعد للانطلاق. هناء نطت ورا الدريكسيون وبدأت تلف العربية بسرعة واحترافية، في حين إن عاصم فتح الباب الخلفي وركّب ياسمين الأول، ودخل وراها وقفل الباب بقوة خلت إزاز العربية يترج.
العربية طلعت بأقصى سرعة، الكاوتشات كانت بتصرخ وهي بتفرك في الطين والمياه اللي مالت أرضية المزرعة، وكسرت البوابة الجانبية الحديدية للإسطبل وطلعت على الطريق الصحراوي السريع.
ياسمين كانت قاعدة في النص، لفه جسمها بالبالطو الأسود الكبير بتاع أبوها، ودقّات قلبها بدأت تهدأ تدريجياً، بس حواسها لسه صاحية. كانت سامعة صوت مساحات العربية وهي بتطرد المطر عن الإزاز
بانتظام وتش.. وتش.. وتش.
عاصم كان قاعد جنبها، مالي بوجوده وضخامته الكنبة الخلفية. طلع تليفون ثريا مشفر يعمل عبر الأقمار الصناعية من جيبه الجواني، وضغط على زرار اتصال سريع. انتظر ثانيتين لحد ما الخط فتح، وجاءه صوت خشن وواطي من الناحية التانية يا فندم؟
عاصم قال ببرود حاد مراد.. القصر اتضرب. البارون ورجالة الغريب فتحوا جبهة عليا. اقلب البلد، مش عايز قشة تتحرك في أكتوبر أو المنصورية من غير ما أعرف. ورجالتك يسبقوني على المقابر القديمة، المربع ج.. تأمين كامل وصامت. مفهوم؟
الصوت رد بطاعة عمياء مفهوم يا باشا.. مسافة السكة.
عاصم قفل السكة وبص من الشباك على طريق الإسكندرية الصحراوي اللي كان شبه فاضي ومغطى بالشبورة والمطر. التفت ل هناء اللي كانت عينيها معلقة في المراية بتابع الطريق، وسألها بصوت واطي بس قوي فرقة الصقر.. سليم مات إزاي يا هناء؟ أنا جالي تقرير زمان إن الفرقة كلها اتصفت في كمين.
هناء ردت وعينها ما نزلتش عن الطريق التقرير اللي جالك كان متفبرك من جوه جهازك الأمني الخاص يا عاصم بيه. سليم ما ماتش في كمين.. سليم اتخان من أقرب الناس ليه، من راشد الشامي.. دراعك اليمين في شركات الشحن.
عاصم حس بصدمة كأنها طلقة تانية اخترقت صدره، راشد؟!
هناء هزت راسها بمرارة راشد هو اللي باع مكان الفرقة للبارون زمان عشان يخلص من ولاء سليم ليك، ودلوقتي راشد هو اللي فتح أبواب المزرعة لرجالة البارون.. القصر بتاعك ما اتضربش من بره يا بيه، القصر اتسلم من جوه.
ياسمين حطت إيدها الصغيرة على إيد عاصم القابضة بعنف على ركبته، وقالت بنبرة بريئة بس واعية بابا.. أنا كنت دايماً بحس إن عمو راشد لما بيجي البيت، نفسه بيبقى سريع وضيق لما بيتكلم معاك.. كأنه خايف أو بيخبي حاجة. دايماً كنت بخاف من صوت جزمته وهي بتقرب من أوضتي.
عاصم غمض عينيه وضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته بارزت. الندم والغل كانوا بياكلوا في قلبه، بس بص لبنته اللي لسه مكملتش 12 سنة، والمرة دي مشفش فيها البنت الضعيفة اللي محتاجة خبا ومخابئ مخارج طوارئ؛ شاف فيها وريثته بجد.
العربية بدأت تهدي سرعتها، ودخلت في مدق رملي ضيق ومظلم، محاط بأسوار حجرية قديمة وعالية.. مدافن أكتوبر القديمة. المكان كان هادي هدوء القبور، مفيش فيه أي صوت غير صوت الرياح اللي بتهب وسط الشجر الميت.
هناء طفت كشافات العربية تماماً، ومشيت على ضوء النجوم الخافت لحد ما وقفت العربية قدام حوش حجر كبير، بابه الحديدي القديم كان موارب، وظهر من وراه ظل تلات رجالة مسلحين من رجالة مراد المخلصين.
عاصم نزل، وشال ياسمين بين إيديه، وبص ل هناء وقالها من النهارده.. مفيش أسرار
يا هناء. إنتي مش شغالة، وإنتي مش مطرودة.. إنتي الظل بتاع بنتي.
هناء نزلت وقفلت باب العربية بهدوء، وقالت وهي بتبص في عيون عاصم السيوفي وأنا جاهزة للحرب.. يا قائد.
دخل الثلاثة إلى داخل الحوش الحجري القديم، حيث كانت تفوح رائحة الماضي البعيد والغبار. رجال مراد المخلصين أغلقوا الباب الحديدي خلفهم بهدوء تام، وانتشروا في زوايا المكان كالأشباح لتأمين المحيط.
المكان من الداخل كان عبارة عن غرفة واسعة مبنية من الحجر الجيري، بها قبو سفلي عتيق، ومضاءة ب كشاف شحن صغير وضعه أحد الرجال على طاولة خشبية قديمة في المنتصف.
عاصم أنزل ياسمين ببطء، وجلس على مقعد خشبي متهالك، وعيناه لا تفارقان الأرض. الغضب كان يغلي في عروقه كالبركان، ليس بسبب هجوم البارون، بل بسبب طعنة راشد الشامي الشريك والدراع اليمين الذي اؤتمن على السر والمال.
مراد، قائد حرسه الخاص المخلص، اقترب من عاصم وانحنى قليلاً قائلاً بنبرة منخفضة عاصم بيه.. رجالتنا رصدوا تحرك مشبوه ل راشد الشامي. هو حالياً في مكتب شركة الشحن الرئيسية في ميناء الإسكندرية، ومعاه حراسة مشددة من رجالة الغريب.. كأنه عارف إن القصر انتهى وبيأمن نفسه هناك.
عاصم رفع رأسه، وملامحه تحولت لقناع من التحدي البارد فاكر إن الميناء هيحميه مني؟ الميناء ده أنا اللي حافر رصيفه بإيدي.. مراد، جهز رجالة المهمات الخاصة. التحرك الفجر.. مش عايز راشد يموت، أنا عايزه صاحي.. عايزه يشوف ملكه وهو بيتهد قدام عينيه قبل ما يروح للبارون.
في تلك الأثناء، كانت هناء تجلس على ركبتيها أمام ياسمين، التي كانت ما زالت تلف جسدها بالطو أبيها الأسود الكبير. هناء أمسكت بيد ياسمين الصغيرة، وقالت لها بنبرة حازمة ولكن بها دفء غير معتاد ياسمين.. اللي حصل في القبو والاسطبل كان مجرد البداية. من النهارده، التدريب مش هيبقى خشب في خشب.. من النهارده هنتعلم إزاي نقرأ حركة المكان بجد.. هنتعلم السلاح.
ياسمين لم تتردد، بل أومأت برأسها وقالت وعيناها الباهتتان تشعان بقوة غريبة أنا مش خايفة يا هناء. أنا طول عمري عايشة في الضلمة، بس النهارده حسيت لأول مرة إن الضلمة دي ممكن تكون سلاحي مش سجني.. أنا عايزة أكون جاهزة عشان أحمي بابا.. وأحمي اسم السيوفي.
عاصم نظر إليهما، ولأول مرة شعر بأن القدر قد أرسل لهناء في الوقت المناسب. اقترب منهما، ووضع يده على كتف هناء قائلاً أكتوبر والمنصورية هيبقوا ساحة تصفية حسابات.. هناء، إنتي المسؤولة عن تأمين ياسمين وتدريبها هنا في الحوش ده، المكان ده أمان ومحدش يتوقع وجودنا فيه. ومراد هيسيب معاكم تلاتة من أفضل رجالته.
هناء وقفت بثبات وقالت متخافش عليها يا قائد..
الوريثة في أمان.
التفت عاصم نحو الباب، وسحب أجزاء مسدسه مجدداً، وعيونه تتطلع نحو الأفق حيث بدأت خيوط الفجر الأولى تقترب، معلنةً عن بدء رحلة الانتقام واستعادة النفوذ.. حرب عاشق الروح التي لن تنتهي إلا بدمار كل من تجرأ واقترب من عائلة السيوفي.
انقشع سواد الليل وظهرت خيوط الفجر الأولى محملة بضباب كثيف غطى طريق مصر الإسكندرية الصحراوي. في اللحظة دي، كانت العربية الجيب التانية التابعة لمراد بتشق طريقها بسرعة رهيبة ناحية ميناء الإسكندرية، وعاصم قاعد في المقعد الأمامي، ملامحه أشبه بتمثال منحوت من صخر؛ مفيش فيها أي أثر للنوم أو التعب، بل تركيز قاتل.
أما في الحوش الحجري في مدافن أكتوبر، فالدنيا كانت هادية جداً.. بس هدوء ما قبل العاصفة.
هناء كانت واقفة في نص الأوضة، والضوء الضعيف بتاع كشاف الشحن بيعكس ظلها على الحيطة. ياسمين كانت واقفة قدامها، قالعة البالطو الأسود الكبير، ولابسة قميص التدريب بتاعها تاني.
هناء حطت على الترابيزة الخشبية قطعتين من الحديد الثقيل؛ مسدس تفكيك أجزاءه كاملة. وقالت لياسمين بنبرة حاسمة ياسمين.. السمع والنفس لوحدهم مش كفاية لما الرصاص يبدأ يطير. لازم إيدك دي تحفظ ملمس السلاح كأنه حتة من جسمك.. الميكانيكا بتاعة الصوت هي اللي هتعرفك السلاح فيه كام طلقة، وإمتى بيعلق، وإزاي تعمريه وأنتي مغمضة.. أو وأنتي مش بتشوفي.
ياسمين مدت إيدها ببطء، صوابعها الصغيرة بدأت تلمس الأجزاء الحديدية الباردة. بدأت تتحسس مخزن الرصاص، الإبرة، الأجزاء، والزناد.
هناء كملت الخوف بيبدأ من الإيد.. لو إيدك اتعوت على الحديد، قلبك مش حيهتز. قدامك عشر دقائق.. عايزك تركبي الأجزاء دي وتخلي السلاح جاهز للضرب بالسمع والملمس بس.
ياسمين أخدت نفس عميق، وغمضت عينيها الباهتة أكتر، وبدأت صوابعها تتحرك بسرعة ومهارة مذهلة، صوت طقطقة الحديد وترتيب الأجزاء بدأ يعمل نغمة منتظمة في الأوضة الضلمة.. تكتك.. كليك.. تشك.
في نفس الوقت.. في ميناء الإسكندرية.
مكتب شركة الشحن الرئيسية كان منور بالكامل، ورجالة الغريب مالين الممرات وال أرصفة المحيطة بالمبنى، شايلين أسلحة أوتوماتيكية وظاهر عليهم الاستنفار.
جوه المكتب الفخم المطل على البحر، كان راشد الشامي واقف ورا مكتبه، إيده بتترعش وهو بيصب لنفسه كاس من الويسكي، عينيه كانت بتتحرك بقلق بين شاشات المراقبة وتليفونه اللي مبيفصلش رن.
دخل عليه واحد من رجالة الغريب وقاله بتوتر راشد بيه.. البارون كلمنا.. العملية في قصر المنصورية فشلت. عاصم هرب.. ومعاه البنت والشغالة.
الكاس وقع من إيد راشد واتكسر ميت حتة على الأرضية الرخام، وشه خطف لونه وبقى زي الأموات هرب؟
إزاي هرب؟! دا القصر كان محاصر من كل حتة! عاصم مش
تم نسخ الرابط