كامله
تقريبا وشكل الوجت سرقني مع الجو الحلو ونسمة الفجر اللي ترد الروح والخضرة تمتم بها نحوها وهو ينهض مستقيما بجسده بعد أن انتبه لفزعها فمن
المؤكد أنها لم تتوقع حضوره في هذا الوقت وبهذا القرب منها
أما عنها فقد ملكت بأسها بعد لحظات لتخاطبه بعدم اهتمام
مفيش داعي للأسف أنا أصلا متخلعتش ولا اتخضيت براحتك يا أبو ريان حتى لو نويت تبيت مكانك إيه اللي يمنع الأرض أرض الله
تبسم بتسلية فقد أعجبه رد فعلها المعاكس ما أجمل صباحها قطة فاتنة شرسة تجيد الهجوم مهما كانت قوة خصمها وحجمه حتي لو
زادت أضعافا عنها
دا من ذوقك طبعا يا أم ليلى أصل أنا بصراحة كنت محتاج اللحظة دي من التأمل والهدوء بعد الخنقة وضيج النفس بسبب موضوع كده طير النوم من عيني
حدجته بنظرة جانبية وهي تنتهي من فرد الفرشة الأخيرة على الحبل لتعقب بكلمات مقتضبة
ربنا يفك كرب كل مخنوق
قالتها وهمت بالذهاب لكنه أوقفها بقوله
ست مزيونة ممكن تجاوبيني على سؤالي
توقفت في استجابة واضحة لسماعه فأردف هو
سامحيني لو هتدخل بس أنا صعبان عليا معاذ عارف إنه غلط وإنت ليكي مطلق الحرية ترفضي أو تجبليه بس أنا جصدي إنه بيحبها يعني ممكن نلاجي حلول لارتباطه بليلى
جاء ردها بحدة أعلى مما سبق
حلول إيه بالضبط مع واحد استغل صغر سنها عشان يلف عجلها واحد محرصش عليها ولا على سمعتها واحد أدى فرصة لعيل صايع يبص لبتي بنظرة مش ولابد ولا يمكن أفتكرها بت سايبة
جطع لسان اللي يجول كده! قاطعها بها ليردف بحمائية
معاذ مسكه ومسح بكرامته التراب
وكانت النتيجة إيه الواد زعق بأعلى صوته عشان يسوء سمعة بنتي
أضافتها عليه لتلجمه قليلا عن الرد فقد أصابت بقولها وهو الأعلم بذلك ثم أردف موضحا
والحمد لله ربنا رد كيده في نحره بعد ما معاذ قضى عليه وأثبت إن ليلى تخصه
أومأت بتحريك رأسها عائدة بسخرية قاتمة
دا على أساس إنه صلح يعني للأسف أنت بتبرر لأخوك وهو بيعمل لمصلحته وفاكر إنه كده هيجبرني رغم إنك عارف إن الغلط من ساسه لراسه ومش أنا وبتي اللي هنشيل ذنب مش ذنبنا
أنهت عبارتها واستدارت عائدة لمنزلها غير عابئة بغضبه وما إن خطت خطوتين حتى أوقفها للمرة الثانية
بس الحب مش ذنب يا ست مزيونة
صدحت كلماته تخترق أسماعها بقوة لتلتف إليه تواجه شرار عينيه بعينين متحديتين تقارعه
فعلا الحب مش ذنب لكن الأنانية هي اللي ذنب وللأسف الأنانية طبع متأصل في الرجال
يرى جيدا من حدتها أنه المقصود وليس شقيقه فقط ليكظم غضبه بصعوبة نحوها متسائلا
حكمتي على كل الرجالة إنهم أنانيين طب بناء على إيه إنتي شفتي مين في الدنيا دي أساسا غير طليقك الله يجحمه مطرح ما هو قاعد إنك تحطي معاذ في كفة واحدة مع عرفان دا الظلم بعينه
حلت ابتسامة ضعيفة على زاوية فمها تنم عن سخرية واضحة تريد الانتقام ولو حتى بالكلمات لتجفله بقولها
ومين جالك إني حاطة معاذ بس في الكفة مع عرفان
برقت عينيه فجأة باستدراك متيقنا أن اللعب بينهما أصبح مكشوفا ومفهوما من الطرفين ليرد على سؤالها بسؤال
يعني جصدك إن أنا كمان حطاني معاهم في نفس الكفة!
تكلفت بابتسامة مراوغة تجيبه
ومين جاب سيرتك بس يا أبو ريان أنا جصدي على صنف الرجالة كلهم متزعلش مني يعني عن إذنك
والتفتت مغادرة من أمامه فلم يوقفها مرة أخرى إنها غاضبة منه أكثر من شقيقه وهو ليس بالغباء الذي يجعله يغفل عن الرسائل التي ألقتها في وجهه تغلق الباب أمامه حتى تمنع عنه الأمل أو التفكير كم كان خاطئا حين ظنها لا تعي عشقه الصامت لا يستبعد الآن أنها تحمل نفس المشاعر ولكن قلبها القاسي يصر على دفن نفسها بالحياة ودفنه أيضا
وفي مشفى المحافظة كانت صفا محتجزة بإحدى غرفها لتلقي العلاج والعناية المركزة لتلك الجروح والكسور التي أصابتها في أجزاء عدة من جسدها كالكسور المضاعفة في الذراع الأيمن وإصابة شديدة بالرأس ووجه اختفت ملامحه من كثرة الكدمات والانتفاخات حتى صوتها حين تتوجع كان يخرج بصعوبة
آااااه يا أمه جسمي كله اتدشدش يا ناس مبقاش فيه حتة واحدة سليمة منك لله يا عرفان منك لله!
مصمصت المرأة شفتيها تعقب بحنق
أيوه يا أختي ادعي عليه على الله بس تثبتي على رأيك وما ترجعيش تحني تاني وتنسي كرامتك كالعادة!
سمعتها لتردد بقهر ووجع
حرام عليكي يا أمه هو أنا حمل تجطيم دلوك بتك
اللي لولا الحكومة نجدتها يعني لولا رحمة ربنا كان زماني دلوك ميتة ولا في الإنعاش ده كان بيضرب فيا بغل السنين! حسبي الله ونعم الوكيل فيه أنا أذيته في إيه بس
طالعتها والدتها بذهول وعدم استيعاب لتعلق ساخرة
أيوه صح عندك حق! انتي عملتي إيه يعني غيرش بس علجتيه بيكي وكرهتيه في مرته الأولى هو حمار ما بيفهمش يا بتي
تنهدت من العمق تتابع بجدية
ياما نصحتك زمان وانتي ما سمعتيش الكلام جولتلك الرجالة
كتير ما وقفتش عليه هو وبس لكنك كنت ماشية زي العمية ورا خالتك اللي كارهة مرته طب أهو لف الزمن وانجلب السحر عليكي! هتعملي إيه دلوك هترجعي ولا هتطلجي ولا إيه ظروفك
ضربت الحيرة رأس صفا لا تنكر أنها تريده رغم كل ما أحدثه بها من إصابات ولكنها تخشى غدره فهي الأعلم بطبيعته القاسية حتى إن تنازلت عن حقها لن يغفر لها ولن يتوانى عن إذلالها وكسر نفسها فهذا عرفان ابن خالتها الذي تعرفه أكثر من أبنائها
وفي منزل منى وقد أنهت مكالمتها الهاتفية منذ لحظات ليصيبها حزن تجلت معالمه على وجهها حتى أثار انتباه زوجها الذي كان يساعد أبناءه في استذكار دروسهم بجوارها في صالة الاستقبال
راقب شرودها للحظات وحين استبد به القلق تركهم وجلس بجوارها على الأريكة ليستفسر منها مباشرة
إيه الحكاية حد بلغك بخبر عفش في التلفون
أومأت بتنهيدة خافتة تخبره
مش خبر واحد للأسف دي أخبار!
اللي أتوقعتة وكنت خايفة منه حصلو أكتر كمان حركة معاذ جلبت مع مزيونة بعند والنتيجة دلوك إنها اتجفلت من كل النواحي عليه وعلى ليلى وعلى أخوه اللي ملوش ذنب كمان
حمزة تمتم بالاسم بفراسه منه لتردف هي مؤكدة
للأسف اتضح له إن مزيونة فاهمة وحاسة لكن عند نفسها خلاها تجلب عليه هو كمان على أساس إن ليه مصلحة في اللي بيحصل مش بقولك اتعجدت من كله!
زم بتفهم وابتسامة صغيرة ارتسمت بثغره رغما عنه معقبا
عشان زكية خسارة والله واحدة زي دي ما كملتش تعليمها على الأقل كانت
تبقى مناسبة أكتر لحمزة اللي متعلم تعليم جامعي
يا خويا بس ترضى! هو راضي بيها حتى لو جاهلة بس هي تحن وترضى
ضحك منصور ليخفف عنها
الصبر يا ست منى محدش عارف بكرة ربنا كاتب إيه
ببعض الاقتناع والارتياح رددت خلفه
ونعم بالله
أما عنها فقد كسى الحزن ملامحها جاهدت ألا تظهر ذلك أمام والدتها ظنا منها أنها قد تنجح لكن لم يحدث حتى محاولات صديقتيها سمر ونسرين لصرفها عن التفكير بدمجها معهما في الدراسة أو المزاح ولكن لم تفلح أي طريقة معهما
هي مصرة على الوفاء بوعدها لوالدتها وعدم نكث العهد ولكن أين تجد الإرادة
ليلى عرفان موجودة هنا يا بنات ليلى عرفان
جاء صوت النداء من مدخل الفصل الدراسي المتواجدة بداخلة أثناء إحدى الحصص لتنتبه إليه مع رد المعلمة نحو تلك السيدة من عاملات المدرسة
أيوه ليلى قاعدة هنا مالك بيها يا عطيات
جاءت الإجابة من المرأة لتسرق انتباه الجميع نحوها
خطيبها عايزها في غرفة وكيل المدرسة!
برقت مرددة خلفها
خطيبي!
بعد قليل كانت أمام غرفة الوكيل برهبة تملكتها لتفاجأ به أمامها هو بشخصه جالسا مقابل مكتب الوكيل الذي تلقاها مرحبا قبل أن يترك الغرفة لهما
أهلا يا ليلى يا بنتي اتفضلي أنا هروح أجيبلي كوباية شاي وراجعلكم
خطت بأقدامها نحو الداخل بتساؤل غير منطوق تناظر ملامحه الباهتة ليس هذا معاذ الذي تعرفه طاقة الحب والجنون معا الحيوية في أبهى معالمها حل محلها تعاسة تجلت في نبرة صوته وهو يخاطبها
عاملة إيه معلش سامحيني لو اضطريت أستغل الصفة الوهمية دي النهاردة يعني اعتبريها من نفسي قبل ما الست الوالدة تنفذ اللي في مخها وتعلن فسخ الخطوبة اللي محصلتش أصلا
غامت عينيها بدمعة تحتجزها بصعوبة تسأله بجفاء تتصنعه
جايلي المدرسة ليه يا معاذ
ابتلع غصته ليجيب بصوت مبحوح
عشان مش هجدر أشوفك برا تاني ولا هوجفك عشان أكلمك وأسألك أنا خلاص عرفت الإجابة ومفيش داعي أزود أو أجيبلك الكلام
أردف بعد فترة من الصمت
أنا مسافر أسيوط أستلم شغلي يا ليلى الخطوة دي بقالي أسابيع مأجلها وأهي فرصة عشان ألاجي حاجة أحط همي فيها هي شركة مقاولات تخص واحد من أصحاب حمزة مقرها في أسيوط بس شغلها والمشاريع كلها تقريبا في القاهرة
يعني هتسافر تعيش في القاهرة
أومأ بإجابة مقتضبة
مشاريع كبيرة أهي تكفي سنين الانتظار على ما تخلصي تعليمك كنت هموت لو سافرت من غير ما أشوفك للمرة التانية بقولك سامحيني
سالت دمعة تحرق عينيها لتردد بعدم استيعاب
أسامحك على إيه بالضبط انت بتقول هتبعد بالسنين يعني هتنشغل عني ومش هشوفك تاني هو أنا فعلا مش هشوفك تاني يا معاذ
كيف يخبرها أن بعده عنها بمثابة اقتلاع قلبه ولكن ما باليد حيلة
أكيد هشوفك لو جيت أجازة زيارة هنه لكن مش هكدب عليكي أنا شايف البعد أسلم على الأقل أرحم الجميع من جناني ودلوك دلوك لازم أمشي مينفعش أستنى أكتر من كده هتوحشيني يا ليلى
قالها وهو يجبر قدميه على التحرك والمغادرة كم ود لو احتضنها لو طمأنها بإلغاء قراره لكن لا فائدة من الرجوع سوى زيادة عذابه إذا لابد من تنفيذ القرار
وغادر من أمامها ولم يلتفت حتى وراءه كي لا يضعف أمام دموعها التي انطلقت دون توقف حتى سقطت على المقعد خلفها بانهيار
حين
عادت إلى منزلها لم تكن بحالة تتيح لها حتى التصنع تسير أمام والدتها كالأموات وكأن بابتعاده عنها روحها أيضا قد تركت جسدها وذهبت معه
مزيونة البائسة ترى في ابنتها التغير الملحوظ ومع ذلك تغض الطرف وتتجاهل كي لا تنقل لها ضعفها حتى وقلبها ينشطر من الحزن لن تضعف أو تتراجع لا بد لهذه الفتاة أن تقوى هي لا تقسو إلا لمصلحتها ومستقبلها ليتها تعي تلك المعلومة جيدا ولا تترك نفسها كورقة خريف شاردة يتلاعب بها الريح
لا تستحق لقب الأم إن تركتها تتخلى عن مستقبلها من أجل رجل وعشق زائف سوف يزول بزوال الأيام
في المساء قرابة الساعة الحادية عشرة ليلا هذا موعده مر أكثر من شهر وهو يأتيها يوميا يرسل لها حصانه عزوز محملا بهدايا الشوكولاتة والحلوى يطرق على النافذة الخشبية بطريقته كي تستلم منه ما يشجعها على القراءة واستذكار دروسها كما يدعي لتجده واقفا عند المجرى المائي تتلقى منه ابتسامة تمكنها من النوم سعيدة وتصنع لها الأحلام الوردية
لا يوجد إلا الخلاء أمامها لا يوجد إلا الوحدة الموحشة لقد سافر وتركها سوف يبتعد عنها بما يمكنه من نسيانها نعم سوف ينساها وتظل هي لوحدتها تهتم بمستقبلها ودروسها كما وعدت والدتها والمطلوب منها أن تنساه الآن كما سيفعل هو
عند خاطرها الأخير فقدت القدرة على الثبات لتسقط منهارة بالبكاء فوق كتبها تبكي وتبكي حتى غلبها سلطان النوم على تلك الحالة
وفي صباح اليوم التالي وعت مزيونة على برودة الفراش بجوارها بما يثبت أن ابنتها لم تبت ليلتها معها كما يحدث كل يوم بعد أن
تنتهي من دروسها ليلا تأتي وتندس في الفراش بجوارها
انتفضت تبحث عنها لتذهب مباشرة نحو الغرفة التي تذاكر بها دروسها وكما توقعت وجدتها غافية على كتبها سقط قلبها حين شعرت بالهواء البارد الذي ضرب صفحة وجهها آتيا من شراعي النافذة المفتوح على مصراعيه
لتضرب بكف يدها بجزع
يا مري يا ليلى جالك جلب يا بتي تسيبي الشباك مفتوح! مش خايفة من البرد ولا حرامي يخش علينا
ركضت تغلقه على الفور ثم عادت تخاطبها كي تستيقظ
كل الغاغة دي ومصحتيش اصحي يا بتي كملي نومك ع السرير ليلى!
اقتربت تهزها بخفة
ليلى جومي يا بتي اخطفي لك ساعة ولا
بت يا ليلى! مالك مولعة كده بت
يا ليلى إيه اللي صابك ردي
عليا يا جزينة!
لم تستجب لكل هزاتها غائبة في عالم آخر لا تشعر بأي شيء حولها فمها فقط ما يتحرك ويردد بكلمة بالكاد تسمع
معاذ معاذ
إلى هنا وقد فقدت مزيونة كل ثباتها ابنتها الفاقدة للوعي تريد نجدتها بأي وسيلة لفت حجابها على عجالة بغرض البحث عن من يساعدها أو يقلها إلى الطبيب
وبغريزة أمومية بحتة لم تتردد في النداء على أقرب شخص وجدته أمامها
أبو ريان! حمزة!
كان واقفا أمام منزله في هذه اللحظة حتى التفت إليها مكذبا أسماعه بنطق اسمه مجردا على لسانها لكنها عادت تؤكد له بجزعها
ليلى بتفرفر مني يا حمزة! إلحقني ولا أنده أي حد يساعدني!
يتبع
الفصل الخامس عشر
قد تظن أن بيدك الأمر وأنك قادر على صد الشعور وتقييد القلب لكن الحب لا يهزم...
فمهما رتبت شروطك ورسمت خطوطك الحمراء سيأتي يوم تجبر فيه أن تقف وجها لوجه أمام أحلامك بل وأمام كل ما كنت تظنه ثوابتك.
عندها... لن يكون السؤال ماذا تريد
بل ماذا تختار
والاختيار دائما..... يكشفك
توقفت سيارة الأجرة بالقرب من المشفى الجامعي ليترجل منها وصفي وولده الأكبر حازم الذي كان يحمل عددا من الأكياس البلاستيكية تحوي بداخلها ملابس ومتعلقات شخصية بالإضافة إلى علب العصائر والطعام أيضا بينما يحث والده المتعب على السير
ياللا يا بوي هم شوية هما خطوتين ونبجي في المستشفى وهنركب الأسانسير نطلع بيه عند الجماعة.
خرج صوت وصفي بتأوه
وهما خطوتين للمستشفى ولا الوصول للأسانسير نفسه حاجة هينة على راجل جسمه مهدود من سهر الليالي في الحراسة... ياللا بقى الحمد لله كله عشان خاطر ليلى وأم ليلى.
ردد من خلفه بتمن
ربي يشفيها يا رب أنا مش عارف بس إيه اللي صابها ده! على رأي أمي تجولش عين وصابتها... ربنا يجازيهم ولاد الحرام...
لم يعلق وصفي فرغم أنه لا يعرف الحقيقة كاملة إلا أن الشك ينهش قلبه بشأن السبب الحقيقي وراء استمرار مرض ليلى حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسة عشر
أبو حازم.
أتى الصوت الرجولي المميز بالنداء من خلفه ليجعله يلتفت ومعه ابنه نحو هذا الرجل الذي لا يفوت يوما دون زيارة وتسهيل الأمور العديدة عليهم في احتجاز الصغيرة.
اقترب حمزة يصافحهم بعجالة قبل أن يواصل طريقه معهما
إيه الأخبار شكلكم توكم واصلين. أنا كمان حاسس نفسي اتأخرت النهاردة. محدش طمنكم عن ليلى
السؤال المعتاد منه وكأن وصفي يعلم أكثر منه بخصوص الحالة التي لا يدخر هو جهدا في رعايتها والإلمام بكل تفاصيل مرضها الغريب من الأطباء الذين يأتي بهم يوميا. لكن المقصود هنا والذي لا يغفل عنه الآخر هو مزيونة وما تحمله من تغير واضح تجاهه رغم إنقاذه لابنتها حين أقلها سريعا إلى المشفى قبل أن تسوء حالتها كما أخبرهم الأطباء.
هنشوفها دلوقتي يا أبو ريان نسأل الله الشفاء التام لها.
أما في المشفى وداخل الحجرة التي أصبحت مأواهم منذ أكثر من خمسة عشر يوما كانت مزيونة تمسك بعلبة الأرز تغرف منها بالملعقة ثم ترفعها إلى فمها لتحاول الأخرى التناول منها قدر ما تستطيع. تمضغ بصعوبة ثم تأتي الصعوبة الأكبر في ابتلاعه الذي لا يتم في معظم الأوقات إلا بتجرع الماء. حتى إذا فقدت قدرتها على المواصلة أبعدت الطبق بيدها مما أثار استياء مستمرا من والدتها
وبعدين انتي حتى مخلصتيش ربعه ده غير اللحمة اللي بترجع زي ما هي! ساعدي نفسك وساعديني يا ليلى عشان ربنا ياخد بيدك وتجومي على حيلك.
هتفت بها مزيونة كصرخة قهر علها تصل إليها وتستجيب ولكن كالمعتاد جاء الرد برجاء المهزوم الفاقد لإرادة المقاومة
مش جادرة والله يا أمي أنا بمنع نفسي بصعوبة إني مرجعش وبغصب على نفسي أبلع حتى الوكل حاسة بيه زي الحجارة في حلقي...
تركت مزيونة الطبق من يدها بعنف لتنهض من جوارها هاربة نحو الشرفة كي تفرغ همها بالدموع والبكاء. كم واجهت من مصاعب ومصائب تكسر الظهر واجهتها بضعف أو بقوة لكن في النهايات انتصرت وعززت من شخصيتها حتى أصبحت على تلك الحالة... كل ذلك من أجلها تلك المستلقية على سريرها الطبي الآن.
مر أكثر من أسبوعين منذ احتجازها داخل تلك الحجرة اللعينة لرعايتها دون تقدم في حالتها سوى بخفض الحرارة التي كادت أن تقتلها. أما باقي الأعراض فلا شيء واضح رغم حيرة الأطباء أمام حالتها وهن شديد مع بعض الأعراض الأخرى يلازمه فقدان شهية جعلها تفقد أكثر من نصف وزنها لتدخل الحسرة قلب والدتها كلما تطلعت إليها.
تتساءل هل أخطأت حين أجبرتها على الالتفات لمستقبلها فقط حتى لو كانت بالفعل أما متسلطة هل كان حزمها في اتخاذ قرارات مضادة لرغبة ابنتها سوى من أجل مصلحتها كي لا تكرر تجربتها المريرة!
فاقت من شرودها على بعض الأصوات التي بدأت تصلها من داخل الغرفة عند ابنتها لتجفف بطرف يدها تلك الدموع العالقة على وجنتيها ثم سحبت كما كبيرا من الهواء حتى تهدأ من وتيرة أنفاسها الغاضبة ثم دخلت لمقابلة شقيقها الذي كان يحتضن ابنتها في هذا الوقت يناجيها بحنوه كالعادة وبجواره حازم ابنه يضع الأكياس على الأرض وعلى مسافة ليست بالبعيدة وقف هذا الرجل الذي لم يتركهم منذ أول يوم أقلهم فيه إلى المشفى ليظل متابعا لهم باهتمامه ورعايته.
استقبل رؤيتها بلهفة ثم ألقى التحية عليها فأجابته بروتينية كعادتها ليدور بينهما حديث يومي سريع بالنظرات ما بين اشتياق ورجاء تقابله هي بعتب وحزن قبل أن تهرب بعينيها عنه لتتابع لقاء البقية
يا حبيبة خالك انتي جومي يا بت مشتاچتيش لدروسك ولا لمدرستك
سمعت مزيونة لتقلب عينيها مغمغمة بيأس
مدرسة إيه عاد دا شكل السنة هتروح عليها.
اقترب منها حازم ابن شقيقها يضمها من كتفيها بمزاح يعارضها
لاه هتروج يا مزيونة وتبقي عال العال. بطلي انتي التشاؤم دا وفكي كده... فكي يا ولية انتي باه.
تبسمت بخفة مستجيبة لمزاحه تربت على ساعده بامتنان أثار غيرة الآخر حتى التفت مصرفا بصره عنهما متوجها نحو ليلى بحديثه اليومي عن صحتها
الدكتور طمني وجالي التحاليل زينة يا ست البنات غيرش بس شوية مشاكل بسيطة بس... شدي حيلك وانسي المستشفى والمرض.
أومأت ليلى بابتسامة ضعيفة ارتسمت على ملامحها الشاحبة ورددت بما أصبح بفمها كالعلكة
إن شاء الله... ربنا كريم.
الفتاة مستسلمة لتعب جسماني سببه نفسي واضح أمامه وأمام تلك التي تطالعه الآن بنظرات اتهام. ماذا بيده وقد أوضح لها عدة مرات أن عشق ابنتها لشقيقه لم يكن ليأتي أبدا إلا برغبة حقيقية من الفتاة.
حتى وإن كان عشق مراهقة أو إعجابا أو انبهارا ماذا سنخسر إن عاش الاثنان التجربة بارتباط صغير أو حتى وعد بالزواج متى ترأف به وترحمه... قبل الاثنين.
في منزل حماد القناوي صعدت حسنية إلى الطابق الثاني تبحث عن زوجة ابنها التي كانت جالسة على الأرض في وسط صالة منزلها تمشط شعر ابنتها بعد أن حممتها. لتفاجأ بالمرأة تدلف إليها وهي بهيئة الخروج أثناء مناداتها
هالة يا بتي عايزاكي تنزلي تحت وتسيبي شقتك دلوك عشان البيت ما يبقاش فاضي.
ردت هالة باستغراب وهي تتأملها بتلك العباءة السوداء الفاخرة وخمارها
والبيت يفضى ليه هو إنتي طالعة
أومأت تجيبها وهي تعدل من خمارها الذي انفك فجأة
إيوه يا هالة منصور جوز بتي هيعدي عليا دلوك بعربيته وياخدني معاه على المحافظة نزور البنية العيانة.
صاحت لتجفل ابنتها من صوتها
خبر إيه هو إنتوا ما عندكوش شغلانة غيرها المحروسة العيانة دي دي عاشر مرة تزوروها في خمسطاشر يوم! ما تحجزوا أوضة جمبيها أوفر.
حدجتها حسنية باستياء وهي تنهرها
أعوذ بالله منك ومن فالك! دا كلام برضو يطلع من واحدة
كبيرة زيك
تراجعت هالة عن حدتها مبتلعة ريقها بحرج في محاولة منها للتلطيف
أنا ما جصديش حاجة عفشة والله ألف بعد الشر عليكم كلكم... أنا بس مضايجة عليكم مجطعين نفسكم في الروحة والجية عليها والبت دي وأمها رفضوا معاذ بكل جبروت وكأن اللي خلق بتها ما خلجش غيرها! طب ورقدتلها في الخط لا تعليم ولا جواز... يا كش تفرح بجعدتها جمبيها!
تقلصت ملامح حسنية بضيق واضح لتتراجع في طريقها للخروج مرددة
أعوووذ بالله منك ومن لسانك... وعنك ما نزلتي خالص! خليك مرزوعة مكانك... يا ستير!
تطلعت هالة في أثرها بغيظ شديد تضرب بالمشط على الأرض قبل أن تجذب ابنتها بعنف نحوها
آه دراعي يا مه!
بس يا بتي خليني أسرحلك شعرك الزفت المعجد ده!
داخل محبسه حيث اللقاء الأول منذ احتجازه بينه وبين زوجته صفا التي أتت بكدماتها التي لم تشف إلا نسبيا لكن على الأقل بدأت ملامح وجهها تظهر تحت الشال الذي يخفي إصابة الرأس والأربطة الطبية والذراع الذي لم يلتئم كسره بعد تلفه بجبيرة مثبتة إلى صدرها داخل الحامل الطبي الذي يلتف حول عنقها.
جاءت بهيئتها المزرية تلك بقصد مكشوف لاستعطافه ورسم ملامح المسكنة لعله يرأف
أما هو فقد شملها بنظرة فاحصة قبل أن يبادرها بسخريته
كل ده من ضربتين وكام لوكامية على كام جلم أمال لو كنت فشيت غلي للآخر كنتي رقدتي في القبر على كده
وختم بضحكة ارتجفت لها أطرافها لترد عليه بتهكم خافت
عشان تعرف إن يدك كانت تقيلة علي لكن أنا برضو عملت بأصلي وجيتلك أهو أطمن عليك عشان إنت واد خالتي وأبو ولادي.
لا وانتي الصادقة... دا عشان عارفة اللي مستنيكي عارفة إني حتى لو خدت حكم في قضية ضربك ولا تكسيرك آخرهم كام شهر ولا سنة ولا سنتين وفي الآخر هطلع وأزودهم أضعاف عليكي ويمكن آخد روحك بيدي كمان.
ابتعلت ريقها بصعوبة بعد تهديده الصريح لتردد بمظلومية كمان روحي يا عرفان! ليه يا بوي أنا عملت إيه لدا كله طب افتكر إني أم عيالك مرتك اللي قضيت معاها عشرة سنين! منظري ده وأنا مدشدشة مخلكش تشفق علي ولا حنن جلبك
لع قالها بلهجة تشف ليكمل بمزيد من التجبر بصراحة لا شفقت ولا قلبي حن. بالعكس دا أنا حاسس دلوك بانتعاش... هون عليا أيام السجن اللي فاتت كلها! وأحسنلك تجومي حالا دلوك قبل ما أتبع شيطاني اللي بيوزني أجوم أكمل سعادتي وأنفضك بعلقة جديدة تستاهليها!
انتفضت صفا ناهضة من محلها برعب حين أبصرته يتحرك من على الكرسي الذي كان جالسا عليه واستقام واقفا. هرولت من أمامه مغادرة فجلجت ضحكاته من خلفها حتى أدمعت عينيه. وما إن توقفت غمغم في أثرها بحسرة قبل أن يأتي رجل الأمن ويسحبه لمقره في المحبس يعني اللي عايزها وسايق عليها خلق الله عشان تاجي تشوفني مش معبراني! والبومة اللي مكسرة ومدشدشة برضو جاية تزحف لاجل تنول رضايا...
في ركن جانبي داخل المشفى كانت جالسة بجوار شقيقها الذي غلبته الحيرة حتى سألها وبعدين معاكي يا بت أبوي أنا لحد دلوك مش راسي معاكي على بر! كلام الناس كلها حواليا يأكد إنه خطيبها وانتي تجولي مفيش حاجة! طب لما هو كده الواد نفسه أعلنها جدام الناس ليه
زفرت مزيونة ودارت مقلتيها بسأم لتعود لنفس الإجابة التي لا تكذب فيها لاه يا وصفي وجولتها وهجولها تاني معاذ أعلن كده في أرض المرماح من دماغه لما حاش عن البنت وأصحابها الواد اللي كان بيعاكسهم هو غلط وأنا رفضته للمرة التانية. وأدي البت عيانة!
سألها مستدركا مقصدها يعني هو ده سبب عيا البت يا مزيونة طب ما إن كانت عايزاه ما توافقي وخلاص يا بت أبوي هي أول واحدة اتخطبت ولا اتجوزت وهي بتتعلم مع إني كنت أتمناها لحازم ولدي بس دا طريجه طويل على ما يتخرج من الجامعة ويشتغل...
حدقت به صامتة بقهر وتعب... بماذا ترد وقد فقدت كل أسلحتها في المقاومة يحدثها عن حازم وهو من كانت تضعه نصب عينيها الزوج المناسب لابنتها صغير مثلها يكبران معا ويبدآن طريقهما سويا... لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فابنتها العزيزة لا تراه إلا أخا.
مزيونة! جاء الصوت لينتشلها من شرودها وكان نداء باسمها من صديقتها الأقرب الآن منى التي لم تتركها منذ مرض ابنتها ولم تقصر يوما في السؤال والاهتمام. كانت قادمة نحوها بجانب والدتها وخلفهما رجل وقور عرفت قريبا أنه زوجها.
بعد قليل وداخل غرفة ليلى كانت منى تعرفها لأول مرة على زوجها مدرسها للعربي في الصف الخامس الابتدائي.
قالت منى ممازحة جولي يا ليلى لو ضربك! حاكم أنا عارفاه دا يده تقيلة واسأليني أنا عليه!
تبسمت ليلى مستجيبة لمزاحها ليأتي النفي من منصور زوجها بابتسامة هادئة ليلى كانت شاطرة أصلا في الدراسة. العصاية دي كانت تخوف البليد والمتكاسل أو اللي بيرغي كتير في الفصل يا ست منى... أظن أنتي عارفة أنا أقصد مين بالأخيرة
شهقت منى مرددة باستنكار شوف الراجل فاكرهالي من إمتى أهو دا عيب اللي تاخد واحد كان بيدرسلها!
ضحكت ليلى هذه المرة ليأتي تعقيبها بفضول نحو هذا الثنائي الجميل يعني حضرتك فعلا كنت مدرسها
تكفلت منى بالإجابة بحماس أيوة يا جلبي كان هو متخرج جديد ومتعين في المدرسة اللي اتبنت جديد عندينا. ساعتها كان فيه مدرستين ابتدائي في البلد واحدة في النجع البحري دي اللي عندكم واتعلمت فيها أمك وواحدة في النجع الجبلي دي اللي اتعلمت فيها أنا وعيالي. صاحبنا بقي كان واد عمي ومن عيلتي بس والله ما عرفته ولا عرفني غير لما درسلي!
أضاف هو بابتهاج أشرق بملامحه كانت رغاية ومبتسمعش الكلام! أجولها يمين تجيلي شمال! كل العيال تسمع الكلام إلا هي! كانت غايظاني بصراحة منكرش!
آه عشان كده فضلت حاططني في مخك لحد ما خدت الدبلوم من حظي الحلو! قالتها منى فانطلقت ضحكات الجميع حتى زوجها الذي أومأ مقرا دون تردد واستمر السجال الجميل بينهما أمام ليلى التي لم تتوقف عن الضحك بسببهما.
أما والدتها فكانت تتابعها بتأمل من الجانب الآخر حتى قطعت عليها حسنية الجالسة بجوارها بقولها
مش قصدي أزعلك ولا أضغط عليكي بس لازم تعرفي إن معاذ ولدي في كل اتصال بينا بيسأل عليكي وعلى ليلى. وإحنا بنقوله كويسين! محدش فينا لحد دلوك جاب له سيرة بناء على أمر حمزة ولدي. هيفضل الود ما بينا حتى لو مفيش نصيب يا بتي.
طالعتها مزيونة بامتنان رغم تشتتها في تحديد القرار الآن بعد أن كانت محددة وجهتها منذ البداية...
صدقت حسنية ولم تكذب بقولها لكنها لم تكن تعلم أن ابنها على حدود المحافظة الآن عائدا بالقطار من القاهرة. قلبه الذي كان يخبره بشيء غير مريح جعله في تساؤل دائم مع كل من يتحدث معه حتى أتى إلحاحه بالفائدة مع أحدهم ليقر له بالحقيقة وما حدث أثناء غيابه. فحزم حقائبه
مستقلا أول قطار وجده أمامه حتى لو كان درجة ثالثة غير مريحة على الإطلاق...
إنت يا خليفة اللي تجوله أنت ياخليفة! صرخ بها حمزة في وجه شقيقه الذي أصر على موقفه مرددا
أيوه أنا يا حمزة ليه نخبي عليه من الأساس وإيه الفايدة أصلا
ضرب الأخير كفا بكف صارخا به
عشان مينفعش! وعشان ما تتعجدش أكتر ما هي متعجدة. أخوك مجنون والبت أمها شايفانا إحنا السبب في عياها. مش عايزين نزود خليها تخف وتعيش وهو يثبت نفسه في شغله وعلى ما ربنا يعدلهالهم هما الاتنين.
ولو ما حصلش
يعني إيه
يعني إنت عارف وأنا عارف يا حمزة سبب عيا البت. وأخوك نفسه مش مستريح. طول الأسبوعين اللي فاتوا وهو ولا علي حامي ولا على بارد مش عارف يكيف نفسه. لموهم على بعض وخلصوا.
وهو بخاطري! صرخ حمزة في وجهه ليردف بحنق مضاعف
ما هو كان على يدك! وشفت أنا حاولت أساعده لأني عارف كد إيه هو مندفع لكن مشاعره صادقة. بس أمها مش عايزة نغصبها يعني
رقق خليفة من لهجته كي يهدئ من وتيرة الانفعال بينهما
طب اهدي يا حمزة وبلاش العصبية دي عشان أخوك كان هيعرف هيعرف إن مكنش مني ولا منك يبجى من صحابه على الأقل. وإن كان على أمها أكيد يعني جلبها مش هيطاوعها على الرفض أكتر من كده. دي مهما كان برضو أمها.
تنهد حمزة بتعب يشد