كامله
بهلع وعيناها تجولان برعب داخل الغرفة البيضاء فسارع هو بطمأنتها
إهدي يا ست مزيونة لا تضري نفسك إبرة المحلول لسه في يدك.
نظرت نحو ما يشير بظهر كفها لتستدرك وضعها مع عدد من علامات الاستفهام التي كانت تحيط بها حتى عبرت عنها
أنا إيه اللي جابني هنه وبتي فين و...
قطعت في الأخير بمغزى فهم عليه لييدا الإجابة بالسؤال غير المنطوق
أني جيت بيكي على الوحدة الصحية لما وجعتي من طولك وسطينا وحاولنا نفوقك كتير ومعرفناش. أمي والشيخ خميس كانوا معانا في نفس العربية بس الشيخ راح يصلي بعد ما اطمن عليكي
وأمي يدوب سابتك وراحت حمام الأوضة اهو اللي جدامك ده.
وأشار بأصبعه نحو أحد الجوانب لتتأكد من صدق قوله ثم أضاف
أما بجى عن ليلى فدي خوفنا نزود عليها بالمشوار ورجت العربية على دراعها المكسور. إنتي عارفة الوحدة هنا جريبة من الجبل وطريقها مش معدل. منى جاعدة معاها ومش هتسيبها لحد ما ترجعيلها بنفسك. اطمنتي يا ستي.
اطمنت! تمتمت بها لتشرد أمامه بوجه كسى عليه الهم وقد فهم هو ما يقلقها
متشليش هم عرفان. أنا خلاص سويت أمره ولا هيجدر يمس شعرة منك تاني.
تساءلت بعدم فهم
كيف! كاد أن يجيبها ولكن خروج والدته من المرحاض وترحيبها الحار باستفاقتها جعله يتوقف قليلا
وه يا بنيتي حمد الله على سلامتك. أخيرا فوقتي بعد ما نشفتي دمنا عليكي.
تبسمت لها مزيونة ممتنة بتعب وإحراج
الله يخليكي يا ست الحجة والله أنا في نص هدومي منك. أول مرة تخطي بيتنا وتلاجي الفضايح دي كلها. جاورتها حسنية على التخت الطبي تعاتبها بلطف
أخص يا بتي وإنتي إيه ذنبك بس في غلط جوزك الراجل العفش ده حبيبتي إنتي ولية مكسورة الجناح وهو بيتشطر عليكي. جادر ربنا ياخدلك بحقك.
ومين هيسيبه يعملها تاني ولا حتى هيقدر يخطي البيت من أصله. جاء صوته كمنبه يجذب أنظارها إليه فتتذكر قوله منذ قليل لتتوجه إليه باستفهامها
دي المرة التانية تتكلم جصدك إيه
أجابها بثقة حتى تعي وضعها الآن ووقوفها على أرض صلبة مدامها في حمايته
جصدي الغضنفر زمانه دلوك في قسم الشرطة وبيمضي على تعهد بعدم التعرض ليكي مرة تانية وإلا مايلومش إلا نفسه. أنا وصيت عليه بالجامد عشان يعمل دكر تاني على الولايا وساعتها يشوف هيحصله إيه
تطلعت إليه وكأنها تستجدي الصدق رغم رؤيتها للجدية بكل وضوح تعلو تعابيره. فأضافت حسنية لمزيد من التأكيد
إيوه يا بتي حمزة ولدي ميقولش كلام فالهوا دا عنده معارف ياما في الحكومة يعني مش هيغلب في واحد زي عرفان ده اللي شايف نفسه ياما هنا ياما هناك. ربنا يكفينا شره.
كادت مزبونة أن تبكي وهي تردد كلمات الشكر والامتنان هل بالفعل انزاح كابوس عرفان تتمنى من الله ذلك. تمالكت في الأخير لتحاول النهوض عن تختها
طب أنا عايزة أروح بيتي دلوك عايزة أطمن بتي
عليا أكيد هي قلقانة أكتر مني.
أشار لها حمزة يناشدها
استني بس يا ست مزيونة دقيقة بس الله يرضى عنك بجي يطل عليك الدكتور الأول حتى نشوف تعليماته إيه
طب وبتي
بتك خدي كلميها بنفسك يا ستي أنا هكلم منى تديها تلفونها وهخليكي تكلميها فيديو كمان.
تتهللت ملامحها بارتياح وتابعت اتصاله بالفعل. وبجوارها حسنية تطالعه بعدم تصديق تعاونه المستمر وهلعه على المرأة وقت وقوعها إنها لم تراه بهذه الصورة إلا نادرا الهذه الدرجة يشفق على المرأة المسكينة وابنتها! ربما!
أما في منزل مزيونة
اطمأنت ليلى على صحة والدتها بمكالمتها بالصوت والصورة عبر الهاتف. هدأت سريرتها لتتلقى الدعم من منى التي لم تتوقف عن بث الأمان فيها عبر المزاح مرة والجدية مرات
ها يا حبيبة جلبي خلاص اطمنا على مزيونة وشوفناها بعنينا يبجى ترتاحي بجى وتريحي دراعك ده اللي اتشندل معاكي.
كانت تقصد ذراعها الملفوف بالأربطة الطبية والذي طالعته ليلى بنظرة عابرة قبل أن تعود إليها معترضة
لا يا خالتي منى أنا عارفة إني تعبتك معايا معلش بس أنا مش هجدر أحط راسي على المخدة غير وأنا في حضن أمي هستأذنك بس أطلع فوج عند برج الحمام أشم هوى عشان أطلع من اللي أنا فيه على ما تيجي أمي.
تنهدت منى بأسى وطبعت قبلة على وجنتها الناعمة وتابعت دعمها
ماشي يا جمر اطلعي يا حبيتي وأنا مستناكي هنه أول ما تيجي الست الوالدة هنده عليكي.
تشكري يا خالة منى ربنا يخليكي يا رب.
تفوهت بها ليلى لتتحرك من أمامها وتذهب إلى السطح تصحبها أعين منى وهي تصعد الدرج الطيني القديم تدعو داخلها بتعجيل الأمر الذي تتمناه حتى يتم نجدة الفتاة ووالدتها.
وصل إليها صوت طرق على الباب الخشبي الخارجي لتخرج من شرودها وتتأكد من لف خمارها ثم تذهب لتعرف بهوية الطارق والتي أصابها الزعر فور أن وقعت عينيها عليه لتبادره على الفور بدفعه بيدها وتحذره بخفوت
به انت إيه اللي جابك هنا امشي يا جزين قبل البت ما تشوفك.
عارضها بعناد يدفع يدها عنه
وما تشوفني يا منى أنا عايزها تشوفني عشان أطمن عليها وتعرف إني مش هسيبها أبدا ولو حصلت أخلص من عرفان ده نهائي.
الله يخرب بيتك. تمتمت بها مني لتردف لاطمة على خدها
إنت مين جالك بس على اللي حصل متعرفش تستر واصل اللي بتتكلم عليه ده يبجى أبوها يا زفت مش حد غريب يعني بكل عيوبه برضو مش هتتحمل عليه امشي يا واد ابوي الله يرضى عنك امشي أنا تعبانة وقلقانة لا جوزي يزعل مني المرة دي بجد. امشي يا معاذ.
التصقت قدماه بالأرض يستعطفها هذه المرة برجاء
نفسي أطل عليها يا منى من وجت ما سمعت كمان من حمزة على اللي حصلهم وأنا قلبي واكلني ومش هيستريح غير لما يشوفها خليها تطلع من أوضتها بأي طريجة وأنا هعمل نفسي جاي لك في أمر يخصك المهم أشوفها.
بابتسامة صفراء ردت مغلقة الباب عن المناقشة
وأنا قلت ما ينفعش ولم نفسك بجى ده أنا ما صدجت إنها طلعت السطح تغير جو هنزلها بأي حجة يا بارد امشي ياض غور من هنه غور.
وصفقت الباب في وجهه لتجبره على العودة ولكن هيهات فقد جاء اليوم من أجل رؤيتها ولن يستريح ويغمض له جفن إلا برؤيتها. تحرك لا إراديا يعود بأقدامه ناظرا للأعلى نحو برج الحمام الطيني القديم والذي يعلو سطح المنزل يحاول في كل الجهات لمشاهدة حتى طيفها وحين يأس لم يجد أمامه إلا حل واحد ليشرع في تنفيذه دون تردد. فتحرك إلى الجهة الخلفية ليصعد بأقدامه إلى شجرة التين ويعلو من فرع فوق فرع حتى وصل لآخرها ليقبض بذراعيه على طرف السطح يستند عليهما ويملي عينيه برؤية القمر. وقد كانت جالسة في هذا الوقت تطعم بفمها الحبوب بفم صغير الحمام مندمجة برعايته غير منتبهة لذلك المجنون الذي أثر به المشهد ليردد بتمني
ياريتني كنت أنا يا ريتني كنت أنا يا حبيبتي وأشيل عنك كل هم.
ظل هكذا لفترة من الوقت غير عابئ بتعب قدميه التي لم تتحمل كثيرا حتى اهتزت وكاد أن ينزلق بها فصدر منه صوت اجفال وذراعاه تزداد تمسكا بطرف السطح حتى لا يقع. فانتبهت هي لا إراديا على مصدر الصوت.
لتقابل عينيها الجميلتين خاصتيه
شهقت هي برعب وركضت لتطل عليه من الأعلى حتى كادت أن تطلق صرختها لولا أنه طمأنها بيده ملوحا لها ألا تجزع. وفي اللحظة نفسها كانت تمر سيارة حمزة التي تقل والدتها فتركت أمره وهرعت مسرعة لتستقبلها.
وفي داخل السيارة كان حمزة قد انتبه أيضا لها وهي تركض أمامه وعلى حين غرة وقعت عيناه على ذلك المستلقي أسفل الشجرة فبرقت عيناه بجزع ثم نقل بصره نحو المرافقين له مزيونة ووالدته التي كانت منشغلة بالحديث إليها فاطمأن لعدم انتباههن وتضرع داخله
يا ستير يا رب يا ستير... حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا معاذ.
في وقت لاحق
كانت المواجهة بين الشقيقين بعد إصابة الآخر بجزع في قدمه اليسرى. وكان يحمد الله أنها رست على تلك الإصابة مخلفة عرجا بسيطا وبعض الرضوض القاسية في عظام الظهر.
أما الصدمة فكانت من نصيب حمزة حين عرف السبب خلف كل ذلك بعد أن اعترف له معاذ ببساطة بما كاد أن يذهب بعقله. حدق فيه بعدم تصديق وقد توقفت الكلمات في حلقه يتمنى تكذيبا أو حتى ادعاء أنها مزحة. لكن معاذ لم يفعل بل أصر على كلامه بجدية يعرفها حمزة جيدا ليتيقن من حقيقة فعله فتوسعت عيناه حتى كادتا تخرجان من محجريهما بذهول يعصف به حتى استطاع أخيرا أن يخرج كلماته
فوق التينة فوق الشجرة العالية يا زفت! عاملي فيها روميو اللي راح يقابل چولييت! إنت هتشلني يا واض!
بسط له معاذ الأمر قائلا
التينة مش عالية أساسا هي بس عشان عجوزة تبان... لكن في حقيقتها هي...
اخررررص!
قاطعه بها وأردف متحكما في غضبه بصعوبة
ما أسمعش نفسك خالص! هو اللي أصلحه أنا باليمين تبوظه إنت بالشمال ياض! أنا مش مصدجت إننا فتحنا باب ود بين أمك وأمها وخلصنا من قرف أبوها تقوم إنت بطيشك تعمل حركة زي دي! تبوظ كل اللي عملناه! دا لو أمها بصت من الشباك ساعة ما إحنا راجعين لكانت عملتها فضيحة... وحقها.
صمت معاذ مستوعبا كلماته بينما كان حمزة يدور حول نفسه أمامه ثم أردف بتهديد
اسمع ياض هي كلمة ومش هتنيها من الآخر يا هتتعدل ونكمل مشوارنا يا هتفضل في طيشك ده... وأنا بصراحة مش هضيع وقتي!
لو هنستمر على الوضع ده ممكن بسهولة أفلت يدي.
وهتقدر
قالها معاذ ليرد خلفه بعدائية
قصدك إيه يا عم الشيخ قول يا حبيبي أنا على آخري أصلا.
تراجع معاذ بابتسامة خبيثة مستترة
مجصديش حاجة يا واض أبويا قول إنت عايزني أعمل إيه وأنا هسمع الكلام إن شاء الله ما أنا خلاص بقيت متطمن.
ختم الأخيرة
بضحكة أثارت استفزاز حمزة فعاد إليه بغضبه
تلقيحك مش عاجبني ياض فيه ريحة مش مريحاني.
كتم معاذ ابتسامته بصعوبة وقال
وه يا حمزة ريحة بس وكلام فارغ إيه! قول على تعليماتك وأنا هسمع وأنفذ... صدجني هنفذ.
... يتبع.
سيبتكم لضميركم بالذمة دا ميستاهلس الفين تفاعل
الفصل التاسع
حين تتزاحم الهموم فوق الصدور لا يبقى لنا إلا الصدق ملاذا.
وفي لحظات المواجهة تتساقط الأقنعة وينكشف الحب الذي خبئ طويلا خلف الكلمات المترددة.
هناك بين نظرة أم مشفقة وقلب ابن يغلي بالرجولة والشهامة ولد وعد جديد...
وعد بأن الخير لا يخفى مهما ثقلت ظلال الحذر والخوف.
فالقلوب النقية مهما أرهقتها الحياة تظل تعرف طريقها نحو الحقيقة.
الخاطرة والمراجعة الجميلة بزيادة سنا_الفردوس
عاد إلى منزله أخيرا بعد أشهر من السجن بتهم خلقت له من تحت الأرض تخص تجارته والغش والتلاعب بالأسعار والتغافل عن سداد بعض الديون لأصحابها كلها أشياء معتاد على فعلها منذ نشأته. لا أحد يقيم ولا مسؤول يحاسب حتى ظهر في طريقه ذلك الملعون الذي أجاد لعبته وسلط عليه رجال القانون ليتم احتجازه بالأشهر بعد توقيعه على ورقة بعدم التعرض لطليقته وابنته فتضيع عليه فرصة ردها إليه خلال فترة عدتها في تلك الشهور التي قضاها محجوزا وسط تحقيقات مستمرة وكفالات تدفع للمتضررين من ماله.
لو لم تكن التهم ملفقة إليه دون أدلة محكمة لكان استطاع محاميه إخراجه ولكن عيبه يكمن في الأخطاء البسيطة التي كان يرتكبها يوميا وفي أسلوب إدارته لتجارته. ليأتي من يستغل هفواته فيكبله حتى عن الانتقام منه ولكن... إلى متى
وهه عرفان! حمد الله على سلامتك يا غالي! تعالوا يا ولاد تعالوا شوفوا أبوكم.
هللت صفا بالكلمات فور أن وقعت عيناها عليه وهي تهبط الدرج من طابقها إلى الأسفل تواصل النداء على أطفالها وهي تسرع خطواتها لاستقباله حتى تفاجأ عرفان بهما يخرجان من شقة مزيونة وابنتها. ازبهل ببصره قليلا وهو يتقبل حفاوتهم يرفعهم إليه ويقبلهم حتى أخذت صفا دورها تلقي بنفسها عليه تفاجئه بفعلها فاضطر أن يدعي الاستجابة على مضض رغم حنقه من وقاحتها بتقبيل وجنتيه واحتضانه أمام الأطفال حتى نزعها سريعا وأبعدها بلطف
الله يسلمك يا صفا... بس العيال دي طالعين من شقة مرة أبوهم ليه
مرة أبوهم! رددت بها من خلفه بنبرة استنكارية تواصل بالتشديد على كلماتها
اسمها طليجتك يا جوزي يا غالي يعني الشقة دي شقتنا مش شقتها ولا شقة بتها. يبقى يحقلنا نعمل فيها ما بدالنا نربي فروج ولا نحط كراكيبنا فيها ولا حتى نطلق العنزات ونفضي الحوش شوية... آااه!
تأوهت الأخيرة بألم حين باغتها إذ قبض بأصابعه الغليظة على مرفقها لترى جمرتين من النار تشتعلان في عينيه مرددا بغضب جحيمي
عنزات وكراكيب وفروج! دا على أساس إنه بيت أبوكي إنتي مش بيتي أنا اللي أويكي فيه تاكلي وتشربي وتربي عيالك! عملتي لنفسك سلطة في بيتي وبتستغلي غيابي عنيكم ياصفاعشان تعملي ما بدالك! عايزة تمحي كل أثر ليها عشان تجطعي عليها العودة! للدرجادي نارك قايدة منها! دا أنا أشيلك بعيالك وأحطها بدالك لو طلبت معايا يا بت!
صرخت بألم تنزع ذراعها عنه وتجأر به
أوعى! هتكسر دراعي في إيدك ولا إيه! عا فوج لنفسك يا حبيبي وافتكر إنها كانت السبب في سجنك! هي وبتها! عايز تشيلني وتحطها مكاني على أساس إنها فاضيالك من أصله! دا مش بعيد تكون مظبطة مع الراجل اللي سلط عليك الحكومة! أمال بيدافع عنها كده لله!
قطعت حديثها فجأة وقد وضع كفه على رقبتها يضغط بعنف ليسكتها حتى كاد أن يمنع عنها النفس. صرخ الأطفال برعب يحاولون دفعه عنها ليستدرك خطورة ما يفعله فيرفع كفه عنها فتسعل بقوة عدة مرات حتى التقطت أنفاسها تطالعه بذهول وقد أوشك أن يقتلها مخنوقة بيديه.
قابل هو نظرتها بعدم اكتراث وحتى لا يعطيها فرصة لتأنيبه تحرك من أمامهم مغمغما بأمر
أنا طالع أستحمى وأرتاح على فرشتي ساعتين. أصحى ألاقي الوكل جاهز والهدوم مكوية وشقة مزيونة نضيفة وبتلمع...
تجمدت في مكانها بعد سلسلة التعليمات التي ألقاها عليها تتابعه وهو يصعد الدرج غير مبال بها ولا برعب الأطفال الذين تمسكوا بها تهدئ من روعهم وهي نفسها لم تتمالك ذاتها جيدا بعد ما فعله
كان يعلم أنها هنا بحكم متابعته لكل أمورها ومواعيد خروجها والمصالح التي تقضيها بفضل المسؤولية التي تحملها الآن على عاتقها. يحاول بقدر استطاعته تسهيل أمورها دون أن يكشف نفسه أمامها حتى لا تأخذها عزة النفس وترفض دون تردد.
ينتظر يوميا مواعيد ذهابها إلى السوق كي يملأ عينيه منها من بعيد دون أن تراه أو تشعر به سواء تطلب الأمر سيارة أو لا في كل الحالات لا يقصر ولا يحرم نفسه من لذة رؤيتها. لكن اليوم كان الأمر مختلفا تماما أمر أجبره على التخلي عن حرصه ليطل بكليته أمامها. فلم يعلم بوجهتها إلا متأخرا ليأتي الآن فيجدها تنتظر شيئا ما في تلك المنطقة الحيوية من البلدة المزدحمة بالمصالح الحكومية.
وعلى عكس المعتاد لم تعجبه رؤيتها اليوم فقد استفزته وقفتها تحت الشمس وتحت أبصار هؤلاء الفاشلين من الرجال الذين تركوا تجارتهم ومصالحهم وركزوا أبصارهم عليها وحدها.
صباح الخير. ألقى التحية بخشونة أجبرتها أن تنتبه إليه فتجيبه
أهلا صباح الخير يا أبو ريان.
ألقى بنظره نحو المبنى الحكومي الذي تقف قبالته ليعود إليها بكلمة واحدة كافية عن سؤال كامل
خير
ردت تجيبه بروتينية
خير إن شاء الله. أنا بس مستنية أخوي وصفي دخل جوه المجلس المحلي يخلصلي ورق معاش أبويا بعد ما تعبت من مماطلتهم ليا.
ارتفع حاجبه بشر يريد مزيدا من الاستفسار
ويماطلوا معاكي ليه هو مش ورجك جاهز وخلصان ولا هي نطاعة وخلاص
طفا على ملامحها بعض الحرج فجاءت إجابتها تضع نوعا من الريبة داخله
والله ما أنا عارفة أجولك إيه ربنا يهدي الأستاذ معاطي... غاوي شندلة الناس في الروحة والجية على مجلس الزفت بتاعهم.
تعقد حاجباه باستدراك ليردد الاسم بتوعد قبل أن يتركها ويتجه نحو المبنى دون انتظار
معاطي الزفت رئيس المجلس...
طالعت ظهره بتوجس تضاعف حين وصلها غمغمته
أنا هشوف أمره الكلب ده.
وقد كان. لم تنتظر خمس دقائق كاملة حتى وجدت شقيقها يخرج مشرق الوجه ضاحكا برفقة حمزة الذي لم يتخل عن تجهمه حتى اقترب الاثنان منها ليهلل وصفي بالبشرى لشقيقته
ورجك خلص أخيرا يا مزيونة! حمزة باشا دخل شمال في معاطي من غير سلام ولا كلام خلاه جاب ورا في ثانية واحدة ومضاه مع إنه كان بقاله ساعة مدخلني في كلام كتير وحوارات مكتش فاهمها.
بابتسامة ضعيفة عقبت تضيف
ما هو نفس اللي كان بيعمله معايا رغي وكلام في مواضيع كتير...
عشان فاسد ابن كلب! هتف بها حمزة مما أجبر الاثنين على الانتباه له وقد تملكه الغضب ورغبة تدفعه للعودة مرة أخرى نحو هذا الصعلوك من أجل تأديبه. فهم الآن من فحوى كلماتها حتى وإن لم تقصد أن هذا المتنطع كان يؤجل قضاء مصلحتها لغرض في نفسه. لا حاجة للتوضيح أكثر من ذلك فهي جميلة ومطمع... بدليل حفنة الرجال التي لم ترفع أبصارها عنها حتى اللحظة. تبا لهم... ولعجزه هو عن صدهم.
بجولكم إيه يا جماعة كفاية كده تعالوا أروحكم معايا في عربيتي.
وكما توقع قابلت دعوته بالرفض
لا متشكرين أنا وأخويا أصلا رايحين السوق.
تمام أوصلكم معايا لحد السوق بس نمشي من هنا الله يرضى عنكم... ما تتكلم يا وصفي!
رغم حدته في الحديث استطاع
في النهاية أن يجبر وصفي على التدخل
خلاص يا مزيونة الأستاذ حمزة مش غريب.
همت أن تجادله لكنه حسم قاطعا عليها الطريق
يلا بجى يا ست مزيونة خلينا نمشي من المنطجة الزفت دي ولا أدخل لمعاطي أديله الطريحة! بصراحة إيدي واكلاني عليه وهموت أعملها!
أما عنها وقد كان هذا موعد عودتها من درس مادة الإنجليزي مع بدء العام الدراسي الجديد وشفاء ذراعها من الكسر فقد مرت على المجرى المائي القريب من منزلهم فاتجهت أبصارها تلقائيا نحوه بحثا عن ذلك المجنون الذي يأتي في ميعاده اليومي من أجل سقي حصانه قاطعا تلك المسافة البعيدة من النصف الغربي للبلدة إلى هنا وكأنه لا توجد مياه هناك.
هي ليست بالعمياء حتى لا ترى أفعاله الغريبة ولا عديمة الإحساس حتى لا تشعر فمنذ تلصصه عليها ووقوعه من أعلى الشجرة لم يكررها مرة أخرى ولم يحاول فتح حديث معها يكتفي فقط بالنظرات الهائمة لها وهي لا تهرب ولا تغضب بل في أوقات كثيرة تصعد إلى برج الحمام فوق السطح وتتخذه حجة كي تبادله النظرات.
بداخلها كم هائل من التساؤلات نحوه لكنها لا تستطيع البوح بها أمام والدتها رغم أنها كاتمة أسرارها وصديقتها الأقرب. كانت تنتظر أن تأتي الإجابة وحدها. لكنها اليوم لا تراه! رغم وجود الحصان الذي كان يتناول طعامه من حشائش الأرض البرية بالقرب من مجرى الماء. أخذها الفضول حتى نسيت حرصها تبحث عنه بعينيها بلهفة جعلتها تتوقف في مكانها... ولا يوجد أثر له على الإطلاق! أيعقل أن هناك إنسانا في العالم يملك نصف عقل يترك حصانا عربيا أصيلا مثل هذا في الهواء الطلق دون حماية ويذهب
شيء يثير الدهشة بالفعل... ولكن لما العجب مع رجل مثله تتوقع منه أي شيء. أجفلت عند خاطرها الأخير بسماعها لأصوات صارت تصل إليها
بس... بس بس بسس... دارت رأسها لا إراديا في عدة جهات تبحث عن مصدر الصوت حتى جاءها النداء باسمها يرافقه عدد من ثمار التين الطازج تتساقط فوق رأسها
ليلى! رفعت بصرها إلى أعلى لتفاجأ بهذا المجنون فوق أحد فروع الشجرة مباشرة فوقها فشهقت وارتدت بقدميها للخلف بفزع تضاعف حينما قفز من محله ليقف مقابلا لها دون سابق إنذار وكادت أن تقع لولا سرعة بديهته في الإمساك بيدها
حاسبي... كنتي هتوجعي. نفضت يده عنها تنهره موبخة رغم عدم اتزانها بعد
ما انت السبب! بتخلعني يا بني آدم انت وبعدها تجولي حاسبي! انت إيه صنفك
ابتسم قائلا بمرح
يعني هيكون إيه بس يا آنسة ليلى أنا ماعملتش حاجة أصلا غير إني كنت فوق الشجرة بنجي كام حبة تين حلوين. أحلى ثمر للفاكهة دا اللي تلاقيه متعلج فووج بعيد عن إيدين الناس وعيونهم محدش يطوله غير الغاوي.
لا تعلم لما جذبتها كلماته التي لم تع مغزاها وقد سرق انتباهها بتلك الحبات الطازجة الرائعة التي كان يعرضها لها بين كفيه الكبيرين حبات كاملة النضج أثارت شهيتها لتناولها والتلذذ بطعمها. ولكنها ما إن استعادت بأسها حتى هتفت به
مش عايزة من خلجتك حاجة! فاكرني هبلة وهيضحك عليا بحبايتين تين ولا ظنيت كمان إني نسيت عملتك المهببة لما كنت بتراقبني وأنا فوج سطحنا! اللي خلاني أسكت ومكبرش الموضوع حاجة واحدة هي وجعتك الشديدة عشان حسيت إن ربنا خدلي حقي منك.
معظم حديثها لم يفهمه فقد كان هائما بها وبطريقتها اللذيذة في التعبير عن غضبها حتى وهو لا يغفل نبرتها الشامتة ولا إصرارها على تذكيره بذلك الأمر رغم عدم حديثها عنه كما أشارت.
بصراحة أنا ممتن جدا لمعروفك يا آنسة ليلى برغم إني مكتش جاصد اللي في بالك عشان تبقي عارفة. أنا بس كنت فوج الشجرة زي دلوك بدور على فرع أنجي عليه تينة حلوة وشوفتك بالصدفة... يمكن تنحت هبابة على برج الحمام وعليكي لكني في النهاية وجعت
ثم أضاف بنعومة
يعني لو كتي بلغتي عني كتي هتاخدي ذنبي على الفاضي. وأنا كل الحكاية كنت عايز تين شوفي بنفسك نجاوتي.
تناول واحدة من الثمار ووضعها بفمه يتلذذ بها بين شفتيه مرددا
أممم... حلوة جوي! يا سلام وهي فيها حتة لسعة صغيرة في اللسان لكنها بتنقط سكر وعسل! آه لو تدوقي واحدة هتعرفي إني عمري ما أنجي ولا أختار غير الزين.
سال لعابها هي الأخرى واشتهت أن تتذوقها لكنها أبت أن تظهر ضعفها أمامه وقالت بحدة
مش عايزة حاجة! خدهم واشبع بيهم.
واستدارت لتتركه وتذهب فهتف من خلفها بصوت مسموع
خلاص... أنا خدت كفايتي أصلا. هسيب الباقيين هنه على المصطبة وياخدهم صاحب نصيبهم بجي.
رغم شعورها باستجابتها إلا أنها ادعت التجاهل وعدم الاكتراث ودلفت إلى داخل المنزل صافقة الباب بقوة. تنهد هو وأفرغ ما بين كفيه من الثمرات على المصطبة الطينية بالفعل ثم توجه إلى حصانه اعتلاه وغادر إلا أنه توقف قريبا أسفل إحدى الأشجار يراقب من مكانه مصوبا بصره نحو المنزل المحبب إلى قلبه.
ولم تمر سوى لحظات قليلة حتى وجدها تفتح باب منزلهم وتخرج منه بحرص تدور أبصارها في الأنحاء من حولها حتى وصلت إلى حفنة الثمار التي تركها فحملتها بين كفيها وعادت بها إلى الداخل.
ارتسمت على ثغره ابتسامة شقت وجهه من الأذن إلى الأذن وقد غزت السعادة قلبه. لقد قبلت هديته... وهذه بداية ليست بالهينة في طريق وصوله إلى قلبها.
وفي داخل السيارة التي كان يقودها حمزة وبجواره وصفي في الأمام ومن ملكت قلبه في الخلف توجهت أبصارها إلى خارج السيارة عبر النافذة التي جلست بجوارها شاردة في أمور عدة إلا عنه. ثلاثة أشهر مرت على علاقة المودة التي جمعت بين العائلتين كان يلتقط كل الفرص المتاحة من أجل التقرب منها فعل كل شيء حتى ينال نظرة واحدة تروي قلبه. كان يعلم منذ البداية أن الطريق إليها صعب لكنه لم يقدر صعوبته حقا إلا بعد أن اكتوى بنيرانه.
لقد أغلقت على قلبها منذ سنوات ولا شيء يدفعها للحياة سوى ابنتها أما عنها فقد قتلت مزيونة منذ زمن بعيد. فكيف السبيل لإعادتها للحياة مرة أخرى
مسح بكفه على شعر رأسه محاولا الاندماج مع حديث وصفي شقيقها الطيب بعد أن أنهى مكالمة هاتفية على عجالة
يعني بعد ما شندلنا في المصلحة عنده دلوقتي عايز يطابلني على انفراد أنا وهو في موضوع خصوصي دا إيه صنفه ده
جصدك مين سأله حمزة محاولا التركيز ليأتيه بالجواب الذي أشعل رأسه
معاطي الزفت أنا أساسا شكيت في أمره من ساعة ما كنت جاعد وياه. رايح جاي يتكلم عن نفسه ويجيب سيرة أختي وإيه اللي يخليها تتشندل على حتة معاش ومش عارف إيه وهي في يدها تبقى ست الهوانم! كنه حاطط عينه عليكي يا مزيونة.
توجه بالأخيرة نحوها ببساطة غافلا عن حمزة الذي خرج الأمر عن سيطرته فاضطر للضغط على مكابح السيارة بعنف مما أجفل الشقيقين واندفعت أجسادهما للأمام بقوة نتيجة فعله فاصطدمت رأسها هي بالكرسي أمامها قبل أن ترتد سريعا إلى الخلف تتأوه
آااه...
التفت نحوها بجزع
حصلك حاجة ولا اتصابتي
نفت بهز رأسها دون صوت
فدافع هو مبررا بكذب
آسف يا جماعة ماكانش جصدي بس السبب أرنب طلع فجأة جدامي كنت هادوسه بس الحمد لله ربنا ستر. المهم حاسة بأي وج في راسك
خرج صوتها هذه المرة حتى يكف عن الأسئلة
يا بوي مفيش هي بس مع شدة الهزة أصلا ملحقتش تتسط في الكرسي زين.
كاد أن يتنفس ارتياحا لولا تعقيب وصفي
بس فين الأرنب أنا ما شوفتوش.
ابتلع ريقه محاولا السيطرة على ارتباكه وعاد لقيادة السيارة
لا ما هو عدى بسرعة وأنت بتتكلم مع الست مزيونة عن معاطي الزفت. إلا جولي صحيح هترد عليه بإيه
جاء الرد منها تسبق شقيقها
ولا هنجول ولا هنعيد دا موضوع محسوم أصلا حتى لو وصل بيه إنه يوقفلي ورقي الحمد لله مستورة وعندي اللي يكفيني من نصيبي في الأرض اللي انباعت زمان ولا الحوجة ليه دا كمان.
عقب هو على قولها بعصبية
طب خليه يتجرأ ويعملها عشان أقطع عيشه منها.
بسط وصفي يحاول امتصاص غضب الاثنين
يا إخوانا عمرها ما توصل لكده إن شاء الله. معاش أبوكي دا حقك يا مزيونة وسيبك من قرشين البنك دول لتعليم ليلى. كفاية اللي صرفتيه الأيام اللي فاتت ما إحنا بنرفضوا كل يوم هتيجي على معاطي ونشيل همه.
يا ليته ما تلفظ بالأخيرة فقد أعاده وبقوة إلى
تلك الهواجس التي يتهرب منها منذ طلاقها. لا يزعجه أمر موافقتها من عدمه بقدر ما يحرق صدره نظرة الرجال لها وأطماعهم بها. يريد أن يعلنها للجميع أنها تخصه وليست متاحة للارتباط كما يظنون حتى لا يتجرأ أحد بالتفكير بها. ولكن كيف السبيل إلى ذلك ورأسها لن يتقبل الفكرة من الأساس إنها حتى لا تراه ليشغل نفسه بأمر أن يصلها إحساسه.
تحمحم بصوت خشن من أعلى الدرج ليعلمها بوجوده بعد أن استيقظ من غفوته التي استغرقت ساعتين ليجدها ما زالت في الأسفل. هبط الدرج بثقل متعمد في خطواته وبطء يقارب الرتابة حتى إذا لمست قدماه أرضية الطابق الأرضي كانت هي في استقباله بعد أن نظفت شقة مزيونة كما أمرها. ولمزيد من الإذلال لابد أن يسمعها منها
ها خلصتي تنظيف ولا لسة محتاجة وقت
أجابته بابتسامة صفراء
لع اطمن أنا غسلتها وعقمتها بالديتول ورشيت لها المعطر وكأنها شقة عروسة جديدة دا غير إني غيرت الملايات. يعني لو ليك غاية تردها من عشية هتلاجيها جاهزة.
حسنا لقد أجادت توجيه ضربتها إليه لتنزع عنه نشوة الانتصار وتضعه أمام نفسه في خانة العجز عن فعل هذا الأمر. ليعقب كازا على أسنانه بحنق شديد
ماشي يا ختي كتر خيرك انجلبي يلا على فوق وجهزيلي اتغدا وإياك تقولي ملحقتش.
انتفضت فجأة تزيد من تصنعها
لا طبعا إزاي تجول كده دا أنا أسوهولك على رموش عنيا يا غالي. كل الوكل اللي انت عايزه هيجهز على الصينية حالا.
أشار بكفه كي تختفي من أمامه وتذهب وقد ضاق ذرعا منها بعد أن عكرت صفو مزاجه ببرودها. تحرك خطوتين حتى أطل برأسه داخل شقة مزيونة ليتأكد من صحة ما أخبرته به بل وأكثر فقد نظفتها وعطرتها بالفعل. هم أن يدلف داخلها ليستكشف باقي الغرف ولكن منعه صوت أحدهم في الخارج ينادي باسمه قبل أن يلج إليه مهللا
عرفان يا صاحبي كفارة انت طلعت إمتى يا راجل
تبسم المذكور فاتحا له ذراعيه
الله يسلمك يا عطوة دا انت اللي واحشني يا راجل.
في منزل حماد القناوي وقد اجتمعت العائلة بأكملها على طاولة السفرة في اليوم الأسبوعي الذي تخصصه حسنية لحضور الجميع بناتها وأزواجهم وأطفالهم لتناول الطعام معها ومع أفراد المنزل. غاب عنها أكبر الأبناء وأصغرهم حمزة ومعاذ ولكن هالة وأطفالها تقوم بواجبها وأكثر في الظهور وفرض نفسها بأنها العضو الأهم في المنزل.
كل نايبك يا واد يا آدم عشان تكبر وانتي يا ريان يا أم ياسين قربي اللحمة لجوز أختك أصله ما بيحبش الفراخ.
قالتها بإشارة نحو منصور زوج منى التي ضجرت
خلاص يا حبيبتي جوزي أصله مالوش لا في دي ولا في دي وكله خفيف في الاتنين. اجعدي على حيلك وحطي اللقمة في حنكك بدل الحديت كفاية صوت المعالق ولعب العيال.
بسخرية ماكرة