كامله

لمحة نيوز

 


استطاعت أن تربكها عن الجدال فتبسمت تحاول حفظ ماء وجهها برد ساخر هي الأخرى
لا لحمة ولا فراخ! أمال مقضيها خضار وبس
جاء رد منى ليخرسها تماما
فسفور سمك وفسفور.
فغرت فاها بذهول وقد تسرب داخلها شك حول المعنى المبطن خلف عبارتها فجاءت الإجابة بكل وضوح من منصور الذي سعل بضحك مكتوم مطأطئا رأسه بخجل من باقي المجموعة رغم ابتسامتهم هم أيضا إلا منى التي كانت تأكل بثبات وبراءة وكأنها لم تفعل شيئا لتضاعف من حنقها منها. تلك المحبوبة من الجميع حتى من زوجها منصور العاقل الوسيم الوقور أمام الجميع إلا معها. ليتها تملك نصف حظها.
حمزة يا ولدي انت جيتتعالي
كان هذا صوت حسنية بعد أن وقعت أبصارها عليه عائدا من الخارج يلفت انتباه الجميع إليه ليجبر نفسه على رفع كفه نحوهم بالتحية والترحيب بكل فرد منهم باسمه قبل أن يستأذن ويتركهم رافضا الدعوات بمشاركته الطعام معهما بحجة عدم شهيته بابتسامات مغتصبة لا تخفى على قلب والدته ولا عن شقيقته منى التي تعلم سر حزنه.
زي ما بقولك كده يا صاحبي أنا قاعد كافي خيري شري لكني مش نايم على وداني. الكلام كتير وأنا بشوف بعيني. الراجل اللي اسمه حمزة ده دخل حتى في زواريق أخوها. أني مش فاهم بصراحة غرضه إيه ومن إمتى كان يعرفهم من أصله عشان يتقرب منهم كده
هكذا كان يبث سمومه في أذن هذا الأحمق والذي من المفترض أنه صديقه ولكن حقد النفس يعمي صاحبها عن الحقيقة حتى لو كانت بوضوح الشمس.
أمم... وإيه تاني كمان قول يا صاحبي أنا مش هكدبك. اللي يرميني في السجن الرمية دي ويسلط عليا الحكومة تنخور في الجديد والجديم حتى شريكي طفش مني لما اتضر هو كمان. بس وأنا ورحمة الغاليين ما هسيبه. لكن اللي عايز أعرفه دلوك وصفي إيه دوره عامل نفسه دكر عليا أني بس
تبسم عطوة بخبث يردد من خلفه
ما أنت جولت بنفسك دكر عليك أنت وبس أكيد هو كمان لاقي مصلحته. لكن إنت هتسكت
زفر مخرجا دفعة كبيرة من الهواء المشبع بهيج النيران التي تسري بداخله
أمال عايزني أعمل إيه وأنا متكتف يدين ورجلين بعد ما بجيت تحت عنين الحكومة على أي غلطة ممكن تعكشني. لكني برضو مش هسكت. مستني الدنيا تهدى شوية وأروح للشيخ خميس...
ونستنى ليه يا عمنا ولا تروح للشيخ خميس وانت عارف من الأول إنها مصدجت ونقبك هيطلع على شونة. اضرب ضربتك قبل الواد ده ما يسبجك وأنا معاك وفي ضهرك.
حدق به عرفان يريد أن يصل إلى ما يرنو إليه بحديثه. فواصل عطوة الشرح بصوت خفيض كوسوسة الشيطان الذي يدفع الإنسان للخطيئة ثم يتبرأ منه
أنا جصدي إن كانوا كتفوك بالتعهد بعدم التعرض جدام الناس اخلص من الراجل ده اللي واقفلك زي اللجمة في الزور
وساعتها مرتك و أخوها هيبقوا في يدك بعد ما يغور ده اللي مستجوين بيه.
هكذا صار يبسط الأمر أمامه ويدعمه وكأن القضية قضيته مستغلا عنجهية الآخر وغباءه عن فهم ما يدور برأسه. ومع ذلك فاجأه بالرد
طب والله فكرة زينة. نفذ يا عطوة وأنا أديك اللي انت عاوزه بدل ما ندخل حد غريب ويفضح أسرارنا وأنت خبرة ومش جديد عليك.
انتفض المذكور وقد أجفله بعرضه يردد برفض تام
وه! أنفذ كيف الله يخرب مطنك الشغل ده أنا بطلته من زمان من ساعة ما توبت. شوفلك حد غيري يا حبيبي شوفلك حد غيري.
وهكذا أخرج نفسه من الحسبة ولكن رأسه اتجهت لشيء آخر بعد أن ذكره بمهنته القديمة... لماذا لا يستغلها لمصلحته الآن
ثلاثة أشهر مرت عليها في ترتيب المنزل بإمكانياته المحدودة ليصبح في النهاية جنتها الصغيرة. وقد اكتمل من معظم الأساسيات المطلوبة حتى الأجهزة الكهربائية استطاعت توفير الضروري منها فاشترت ثلاجة بالتقسيط وحصلت على التلفاز من شقيقها كهدية. وجدت فيه تسليتها وقت الفراغ خاصة حين تنشغل ابنتها عنها في استذكار دروسها كما كان يحدث الآن قبل أن تأتي إليها المذكورة داخل غرفة نومها حاملة طبقا تأكل منه.
أنا خلصت مذاكرة بدري النهاردة قولت أجي أكمل الفيلم معاكي. دخليني جنبك يا مزيونة
قالتها ليلى وهي تصعد إلى السرير لتحشر نفسها معها تحت الغطاء حتى تناثرت من الطبق عدة ثمرات فوقه لتلفت أنظار والدتها التي علقت مبتسمة
يا ما شاء الله جيبتي منين التين الحلو ده
تبسمت ليلى وقدمت الطبق إليها لتتناول منه هي الأخرى
من شجرتنا يا أمة هو إنتي غريبة عنه
وضعت مزيونة إحدى الثمرات في فمها تلوكها وهي تستلذ بالطعم قائلة
لا يا ست الحلوين طبعا عارفاه. أنا بس مستغربة جبتيهم كيف! الشجرة تقريبا محلوبة كل اللي رايح واللي جاي ياخد منيها دا حتى بيجطفوه أخضر. ومحدش بيصبر على التينة لما تطيب زين إلا الفروع العالية دي محدش بيوصلها واصل. لا تكوني ركبتي الشجرة يا جزينة
قهقهت ليلى نافية وهي تهز رأسها
لا يا أمة ما وصلتش للدرجادي. إينعم أنا شقية بس معدتش صغيرة على طلوع الشجر.
أمال جبتيها منين
ابتعلت ليلى محاولة إخفاء توترها واختلقت قصة سريعة للإجابة
بجريدة نخل سحبتها معايا وأنا جاية من الدرس بجيت أرفعها لأعلى فرع وأنزل بيها أحلى واحدة أنمر عليها.
قطبت مزيونة حاجبيها تستوعب الفكرة والتي لم تروق لها كثيرا فاكتفت بتوجيه النصح
طب ياريت متكرريهاش تاني. مش مستاهلة شندلة وتعب على شوية تين طازة. لو عايزة أبقى أشتريلك.
أومأت ليلى رأسها بطاعة ثم رفعت إليها الطبق مرة أخرى لتجعلها تشاركها في تناوله أمام التلفاز حيث كانا يشاهدان فيلما عربيا قديما. لم يكن الفيلم يروق لليلى كثيرا لكنه يعجب والدتها التي تندمج في أحداثه. كانت تعلم أن مشاهدة الأفلام الرومانسية هي متعتها الوحيدة بعدما حرمت منها كما سرقت منها أحلام الفتيات العادية في سن المراهقة السن الذي لم تمر به أصلا بتحملها مسؤولية الزواج المبكر.
انتظرت خروج الجميع وذهابهم إلى منازلهم حتى تخرج إليه داخل الحديقة التي التزم الجلوس بها ومراقبة الخيل الصغيرة وهي تأكل أمامه وقد غفا طفله على الأريكة الخشبية بجواره وظل هو لوحدته وهمومه كما يبدو أمامها.
اللي واخد عقلك تفوهت بها بمشاكسة لتلفت انتباهه إليها فتبسم ونهض عن مقعده لاستقبالها
يعني هيكون إيه بس يا حاجة حسنية هو إحنا معانا غير الشغل اجعدي بس الأول.
تحدثت بعد أن أجلسها بجواره
والله اسأل نفسك ولا بص في المراية وانت تعرف أكيد اللي شاغلك أكبر من أي هموم ولا أي شغل.
طالعها باستفسار فتابعت تفصح عما يشغلها
بصراحة يا ولدي أنا خايفة من حاجة كده ومش عارفة أوصلهالك إزاي
حثها أن توضح أكثر
جولي يا أمة إنت هتتكسفي مني دا انتي الحجة حسنية!
تشجعت تجيبه هذه المرة
أنا سمعت إنك كنت سايق العربية النهارده ومعاك مزيونة وأخوها الولية مطلجة وأنا أخاف لحد يشوف كده ويظن يعني...
يظن إيه يا أمي صدرت منه بمقاطعة وانفعال تخلل كلماته مردفا
انتي بنفسك شوفتي الست المحترمة هي وأخوها. انتي عارفة زين باللي مرت بيه منبقاش إحنا والزمن عليها!

ولا انتي هتخلي هالة تنخور في دماغك
وه يا ولدي وإيه اللي جاب سيرة هالة دلوك
عشان عارفاها يا أمي وعارفة حشيريتها في كل كبيرة وصغيرة.
توقفت برهة تمتص غضبه وقد بدا أمامها كعود ثقاب قابل للاشتعال وهي تريد المزيد من التوضيح
طب لو سألتك عن الولية نفسها إن كان ليك غاية فيها
بماذا يخبرها عن حب يائس يثير شفقتها أم عن امرأة لو انقلب العالم رأسا على عقب لما حدث وتراجعت عن قرار اتخذته مسبقا بدفن نفسها من أجل صغيرتها وفقط عند خاطره الأخير وجد الحل سريعا يصارحها بما يخطط له مع شقيقه منذ شهور
مش موضوعي يا حجة حسنية ومدام فتحتي الموضوع بنفسك يبقى أنا هصارحك بالحقيقة عشان أخلص من زن ولدك فوج راسي.
ولدي مين
ولدك معاذ يا أمي عايز يتجوز بت مزيونة.
وعرفان الراجل العفش! انت بتقول إيه يا حمزة أضافتها بغضب احتل محياها لتفاجأ بقدوم المذكور عائدا من الخارج فهتفت منادية توقفه قبل أن يدخل إلى المنزل
واض يا معاذ تعال هنا عايزاك.
في منتصف الليل حيث يسود السكون أرجاء المكان وتتوقف حركة البشر عن مشاغل الحياة لينالوا قسط من الراحة الذي يستحقها الجسد كان هناك صنف آخر من البشر لا يجد فرصته إلا في هذا الوقت. مغامرة بسيطة قد تحقق له ما يتمناه ويؤرق مضجعه منذ سنوات.
وصل هذا الملثم إلى خلف المنزل الوحيد وسط المزروعات حيث لا بشر ولا جيران يخشاهم. وبخفة القرد تسلق الحائط الطيني القديم مستعينا ببروز بعض الحفر في الطوب اللبن المبني به ليصبح أعلى الجدار في ظرف لحظات قليلة حيث الجزء الخالي بطرف المنزل من السقف. حاول تكرار الأمر والنزول بخفة لكن حظه هذه المرة لم يساعده فانزلق ساقطا إلى الأرض بوقعة خفيفة لم تؤثر فيه لكن وقعها كان في الداخل إذ وصلت إلى تلك الغافية التي تحتضن ابنتها ففتحت عينيها مستيقظة بإجفال جعلها تنهض بجذعها عن الفراش في لحظات قليلة.
قادها إحساسها بشيء غير مريح جعلها تطل برأسها خارج الغرفة فازداد شكها حينما وصلت إليها أصوات أخرى من الجهة المكشوفة للمنزل بطرازه القديم. وقد أحسن شقيقها صنيعا حين أحكم إغلاقها من قبل بالطين وبباب حديدي غليظ تزيد عليه مزيونة ليلا بأشولة الحبوب والقمح من الداخل زيادة في الحرص وتقديرا ليوم مثل هذا.
أرهفت السمع جيدا لتتحقق مما إذا كان مصدر الصوت قطة أو حيوانا آخر لا تعرفه فجاءها التأكيد بشيء أخطر حينما رأت بأم عينيها المحاولات الحثيثة بمغلق الباب لفتحه...
انتفضت من مكانها عائدة إلى الغرفة متجهة نحو خزانة الملابس لتفاجأ باستيقاظ ابنتها تسألها
في حاجة يا أمة
هشششت قاطعتها منذ البداية واضعة سبابتها على فمها بنظرة تحذيرية جعلت الوعي يعود إلى الأخرى فتقعد جالسة تراقبها بخوف وتذعن لرغبتها بعدم التحدث رغم فزعها. وما لبثت عيناها أن جحظتا رعبا حين رأت ما أخرجته مزيونة من داخل الخزانة.
بندجية يا أمة! خرجت منها العبارة دون إرادتها.
فعادت إليها
الأم بتحذير أشد مطالبة إياها بالصمت الكامل رغم رعبها الذي لم يمنعها من مراقبتها وهي تجهز السلاح الناري متأكدة من حشوه قبل أن تتحرك به خارج الغرفة وقد اتخذت قرارها بشجاعة. فهذه اللحظات الفارقة لا تحتمل التردد على الإطلاق.
استقامت ليلى عن فراشها تتبع والدتها وما هي إلا خطوتان حتى دوى في الأرجاء صوت الطلق الناري يصم الآذان من قرب المسافة...
... يتبع.
عندما يصير البيت ساحة والعزاء غير معلن لا تهم الأعراف ولا التقاليد...
الحق وقتها أن تحيا وأن تحيي من تحب.
فكانت الرصاصة حياة وكانت الدماء طريقا للنجاة.
هم يلومونها يتهامسون يرمون عليها الخطايا...
لكنها لم تسقط بل وقفت على رماد الخوف وقالت أنا لست وحدي ولن أكون فريسة.
خاطرة الجميلة سنا_الفردوس
الفصل العاشر
خسرت الكثير والكثير فلم يتبق لها سوى شيء واحد أقسمت بعمرها ألا تخسره وهي على استعداد تام للتضحية في سبيله بكل شيء وفعل كل شيء... من أجلها.
أتى الصباح.
أصبح منزلها ساحة لقدوم الجميع من رجال ونساء يعرفونها وتعرفهم بعدما انتشر الخبر كالنار في الهشيم. منهم من يربت على كتفها وكتف ابنتها مواسيا ومنهم من يرمي اللوم بكلمات مؤنبة على استحياء يعاتبها لتركها زوجها بعد تلك السنوات ولسكنها هنا دون رجل يحميها ويحمي ابنتها.
أما هو فقد وصله الخبر من بكرة الصباح فور أن استيقظ من نومه بعد أن أخبره وصفي عبر الهاتف فركض إلى منزلها دون تفكير. وبرغم ذلك لعن نفسه فقد تأخر حسبما يرى حشود من أفراد عائلتها ومعارفها كانت قد سبقته ليتخذ مكانه بينهم كالغريب حينما أطل عليها بنظرة خاطفة ثم خرج سريعا.
عجز يقتله عن فعل ما يريده في طمأنتها وبث الأمان في نفسها مكبل كالأسد الحبيس في قفصه يغطي نفسه بقشرة من الاتزان حتى لا ينفجر ويزيد الأمر عليها صعوبة. يود أن يصرخ بها يود أن يطرد الجميع من المنزل ولا يبقى سواه ليعرف ما حدث بكل تفاصيله عله يجد خيطا يقوده إلى ذلك المتعوس الذي أعماه بصره ودعت عليه والدته في ليلة غبراء حتى وقع في طريقه.
لن يرحمه. يقسم أن يذيقه من ألوان العذاب صنوفا ذلك الذي روعها هي وابنتها واستغل وحدتهما حتى وإن أظهرت هي شجاعة تنقص الكثير من الرجال.
اللعنة على الأعراف وعلى التقاليد وعلى كل ما يمنعه من مؤازرتها في تلك اللحظات الصعبة.
هي في الداخل مع النساء وهو مكبل بالخارج على تلك المصطبة الغبية التي يتحلق حولها الرجال يتشاورون في أمر ما مع شقيقها وصفي.
يلقون اللوم عليه وكأنه هو من أذنب وكأنه هو من رمى شقيقته وابنتها وكأنهم خلقوا وحدهم ليفعلوا ما يشاؤون. حمد الله حينما أتى رجل الشرطة الذي اتصل به فانصرف معظمهم ولم يتبق سوى أقرب الأقرباء لحضور التحقيق الذي أجراه رجل الأمن سريعا حول هذا المتعوس الذي هرب تاركا أثرا ما أجمله... نقط الدماء التي سالت منه بعد إصابته بالسلاح الناري. ذلك الشيء الوحيد الذي يطيب به خاطره الآن.
أنهى الرجل تحقيقه وأخذ عينات معه من أجل تحليلها ومعرفة صاحبها لاحقا. غادر بقية الرجال ولم يتبق سوى هو وشقيقها وصفي وعائلته الذي بادرها بالحديث معاتبا فور خروجهم
عاجبك كده يا بت أبويا الناس كلها جايبة اللوم عليا عشان سايبكم وراميكم انتي وبتك ما أنا راجل ني ومش حر زي باقي الرجالة!
وه يا وصفي انت هتبع حكاوي الناس اللي لا هتودي ولا هتجيب دول يموتوا لو مجابوش اللوم علينا ويركبونا إحنا الذنب على أساس إنهم ملايكة. ما حد يحس بوجيعتك غيرك وإحنا ولله الحمد ما يهمناش حد منهم.
تبسم ردا على قولها بمزاح مردفا نحو ابنتها التي لم تغادر حضنه بعد ذهاب الجميع
واخدة بالك يا بت أمك معدش هاممها حد بعد ما خيبت الراجل بطلقة من ورا الباب! خلته حتى هروب مش قادر يهرب نفسي أعرف جالها قلب إزاي! ده أنا الراجل كنت خيبت مكاني.
ضحكت ليلى وتبسمت مزيونة ليعلق هو بعد صمت
مين علمك النشان ولا
مسكك البندجية! عشان تعرفي تصيبي هدفك صح
بنظرة هاربة كالعادة لا تروي ظمأه أبدا تحدثت تجيبه موزعة أبصارها على الجميع لا على من توجه بالسؤال فقط
الزمن هو اللي علمني. دي بندجية أبوي وأنا عارفة استخدامها زين وعاملة حسابي عليها عشان أحمي نفسي أنا وبتي. طول عمري أسمع من أبوي إن اللي داخل على بيتك هاجم يبقى يا قاتل يا مقتول. وأنا كان لازم أتصرف ساعتها. المواجهة مع واحد زي ده معناها الخسارة ليا حتى لو في يدي سلاح. قست بإحساسي المسافة اللي بيني وبينه من ورا الباب حددت المكان اللي واقف فيه ونشنت على آخر جزء من الباب الحديد وسبحان الله بعد ما طلعت صرخته إتأكدت إني صبت هدفي. جمت أأكد أكتر بكذا طلجة بعدها عشان يوصلني صراخه المكتوم وهرجلته في الهرب من ضرب النار.
حتى وهو قلبه يرتجف رعبا كلما تخيل المشهد لا يملك إلا أن يفتخر بها مزيونة البهية الشجاعة. على قدر إعجابه بفعلها على قدر غضبه ممن تجرأ وفعل. هذا الدنيء... هو ليس بالغبي حتى يصدق أن الغرض من حادثة الأمس هو السرقة فقط كما تدعي هي أمام الناس حتى لا تعطي فرصة للتأويلات المضللة.
لكن لا والله لن يكون حمزة إن لم يعثر على هذا الفاسد وبعدها... يأتي العقاب.
استفاق من شروده بعد أن وصل إلى سمعه صوت صهيل الحصان ليغمض عينيه بتعب متوقعا هبوب العاصفة. شعر بنزول الآخر من حصانه ثم ولوجه إلى المنزل المفتوح بابه وبدون استئذان هتف بذعر لاهثا
إيه الأخبار دي اللي سمعتها! مين اللي اتجرأ وهجم على البيت! حد قرب منك يا ليلى!
اللعنة... لقد فعلها غمغم بها حمزة في داخله قبل أن يندفع إليه هامسا بحنق شديد
امسك نفسك يا زفت وكفاية بداية السؤال! كان لزومها إيه الأخيرة!
هم أن يتحدث ولكن سبقته مزيونة والتي وضح جليا أنها فهمت ما يدور أمامها. ولم التخمين أو التفكير من الأساس والآخر تفضحه نظراته نحو طفلتها التي اعتدلت هي الأخرى عن حضن خالها في حضوره. ليلى وأمها زينين يا بشمهندس متجلجش انت حتة حرامي حب يجرب حظه لكن خد على عينه وراح لحال سبيله.
واصل معاذ باندفاعه
إزاي يعني يا خالتي مزيونة أنا لازم أشوف الواد ده بنفسي وأأدبه على عملته والله تكسير عضمه حتى ما هيكفيني ولا يشفي غليلي!
ما جالتلك يا عم الشيخ راح لحال سبيله هو بس يعالج نفسه دلوك قبل ما رجله تغور وبعدها بس نشوفه ونكسره براحتنا. أضاف بها وصفي بحدة وصلت إلى حمزة الذي سحبه من ذراعه محذرا كازا على أسنانه
امسك نفسك شوية عن كده ياض بقيت مفضوح قدامهم يا جزين وده مش وجته.
أمال وقته إمتى لما حد يخطفها هي ولا أمها!
سمعها منه حمزة حتى كاد أن ينفعل عليه أمامهم لكنه تماسك في النهاية وسحبه بلطف ممزوج بالكثير من العنف
طب يا جماعة عن إذنكم معلش وهنبقى نيجي وقت تاني.
استجاب لسحبه معاذ ولم يعارضه حتى إذا خرج الاثنان وابتعدا بمسافة آمنة عن المنزل توقف قائلا باعتراض
ما هو شوف بجى أنا مش هستنى أكتر من كده وليلى لازم تبجى في بيتي في أقرب وقت هأمن عليها إزاي أني تنام ولا تحط راسها على المخدة في البيت ده! مش يمكن الحرامي ييجي تاني ولا يشجع غيره على الأقل يعمل زيه
بغضب متعاظم قبض حمزة على
ياقتي قميصه يعلق على قوله بتهديد ووعيد
محدش هيجدر يعملها تاني ولا ياخد الفرصة دي أصلا.
تركه فجأة موزعا أبصاره على الأنحاء من حولهم قبل أن يعود إليه مؤكدا
زي ما بجولك كده محدش هيقدر يجرب تاني وما تنساش إنك ما خدتش حتى موافقة أمك عشان نفضى لمعركة مزيونة.
دلفت بحقدها إليه داخل الغرفة بعدما وصلت إليها الأخبار المتداولة داخل البلدة الصغيرة وقد كان نائما في هذا الوقت ولم يستيقظ بعد للذهاب إلى عمله. هتفت توقظه بنبرة تملؤها الشماتة
جوم يا جوزي جوم يا راجلي شوف اللي بيحصل واللي كان هيحصل استرها علينا يا رب... استرها علينا.
رفع رأسه مجفلا بتجهم لحديثها السام
مالك يا بوز الأخص بتولولي بحنكك الزفر كأن حد مات ولا جاتله مصيبة تاخدك وتاخده!
تبسمت ساخرة بغيظ تخبره بمكرها
لا يا خويا اطمن بعد الشر عليا. النصيبة جتلك من ناحية تانية. البلد كلها النهاردة مقلوبة على بتك ومرتك ولا الحرامي اللي فط على بيتهم! استرها معنا يا رب...
يا بت ال... صاح بالأخيرة منتفضا من محله ليقبض بكفه على قماش عباءتها من الأمام يسحبها إليه مرددا بنبرة مرعبة
بتخربطي بتجولي إيه يا بت الفرطوس الكلام ده يطير فيه رجاب!
نفضت ذراعه عنها تجأر به
يا خويا وأنا مالي عايز تلبسني نصيبة والسلام الكلام داير في البلد الفقرية دي ووصلني! طلج النار كان هيزغرد زغاريد من بيت المحروسة ولما الناس فرت تشوف في إيه قالتلهم ده حرامي وفر من الحيطة اللي نزل عليها وقال إيه ضربت عليه من الصالة بالسلاح! والناس يا خويا تجري وتدور على الحرامي اللي بتقول عليه كنه فص ملح وداب! الله أعلم بجى صح ولا في حاجة تاني.
يعني هيكون إيه! غوري! نفضها عنه بقوة لتسقط أرضا تتوجع صارخة
آااه! كل ده عشان مش متحمل الكلام عليها هو أنا كنت مألفاه مش بردد الكلام الداير في البلد! اطلع برا واسمع بنفسك.
جأر بها يرتدي جلبابه الواسع ثم خف القدم متحركا للمغادرة
هاطلع وهشوف! مش هتكل ولا آخد على كلامك! عشان عارفك وعارف قلبك الزفت زي وشك!
وداخل منزل حماد القناوي وصلت أيضا الأقاويل والتأويلات حيث كل فرد يحكي القصة من منظوره أو حسب أهدافه كما كانت هالة تحكي الآن
الكلام معبي البلد ولا ترند السوشيال ميديا حتى! ناس مستغربة وناس مش مصدجة أصلا!
اعترضت حسنية بعد سماع الأخيرة بتساؤل
كيف يعني مش مصدجين هي البنية كانت بتضرب نشان في الهوا ولا هتألف حكاية من مخها ولا هي الناس دي عايزة تزود في الحكاوة وخلاص!
باضطراب ملحوظ بررت تسوق القصة نحو الجهة التي تريدها
يا مرة عمي الناس لازم هتظن بأكتر من كده طول ما هما ماشافوش الراجل اللي قالت عليه. واحدة جاعدة لوحدها هي وبتها في بيت لوحدهم وراهم الجسر وقدامهم الزرع إيه اللي يجبرهم إنهم يصدقوا
يجبرهم الهم يا هالة! هتفت بها منى في رد على كلماتها وقد حضرت قادمة من الخارج بالصدفة لتسمع حديثها فتضيف بغيظ مكتوم
البنية وبتها كافيين خيرهم شرهم والموضوع في الأصل كان حرامي حاول يدخل البيت ومزيونة طلعت ولاراجل من ضهر راجل وضربت عليه لحد ما صابته ودمه ع الحيط يشهد! الناس اللي بتجولي عليهم دول بيزودوا على إيه بالظبط هي عيبة لما الواحدة تبجى شديدة في الحق وقادرة تدافع عن نفسها ولا هما مغلولين منها أكمنها حلوة زيادة هي وبتها ومستكترين إن ربنا يجمع العقل مع الجمال فيهم!
انتفضت هالة من محلها تقابلها في وقفتها وكأنها وجهت السبة لها فهي ليست بالغبية حتى تغفل عن مقصدها
قصدك إني أنا اللي بألف وغايرة منها يا منى ليه ناجصة حلاوة إن شاء الله ولا يمكن هي أحسن مني
سمعت الأخيرة ثم جلست على الأريكة بجوار
والدتها تنفي ببراءة
أنا بجول على الناس العفشة يا هالة انتي بتحسبي نفسك ليه منيهم
همت المذكورة أن تصرخ بها وتكذبها ولكن حسنية سبقتها لتقطع عليها
خلاص يا هالة اجعدي بقى انتي كل كلمة تحسبيها عليكي اجعدي يا بتي خلينا نسمع منها. أكيد عارفة حاجة عن الموضوع ده.
عارفة الموضوع كله يا أمة. قالتها منى لتضع ساقا فوق ساق وتستطرد بثقة حتى تفحمها
أخويا حمزة من الصبح كلم واحد من معارفه والحكومة جات وعملت الواجب ولسه هيدوروا على ابن الحرام اللي أمه داعية عليه. عرفتي بجى إن الحديت صح يا هالة احكي لحبايبك بجى اللي بيزودوا في الكلام ووصييهم يزودوا في الكلام عشان يجطعها عليهم ربنا مية ونور إن شاء الله...
لم يغادر كما أمره شقيقه بل انتظر متخذا حجته بسقي الحصان وربطه بجوار المجرى المائي كي يتناول طعامه من حشائش الأرض. ثم تخفى هو منتظرا حتى خرجت من الباب الخلفي لمنزلها في موعد ذهابها إلى درس مجموعة الإنجليزي. فاستغل الفرصة ليفاجئها بحضوره بقفزة مباغتة من فوق الشجرة لتجده أمامها دون سابق إنذار مما جعلها تشهق مرتدة بقدميها للخلف
يخربيتك! انت بتطلعلي منين يا جدع انت
تبسم بمكر يدعي الأسف وهو يطالع جزعها
أنا بعتذر لو خضيتك أصل بصراحة مكنش ينفع أمشي من غير ما أشوفك وأطمن عليكي.
قطبت سائلة باضطراب تدعي الحدة
كيف يعني ما تخلي بالك يا جدع انت من كلامك! في إيه
سارع يوضح حتى لا تأخذ كلماته على محمل خاطئ
ليلى أنا مجصدتش حاجة عفشة. أنا فعلا كان نفسي أتكلم معاكي وش لوش كده عشان أطمن وأعرف منك عن اللي حصل امبارح. رغم كل اللي سمعته من أخويا لكن برضو عايز أسمع منك.
لا تنكر أنها تأثرت بنبرته ولكن لا يصح لها أن تلين معه
وتسمع ليه هي حكيزة وغنيوة أغنيهالك موقف وعدى زي كل المواقف اللي عدت بينا وأمي ربنا يخليهالي في كل مرة لازم تطلعني منيها وأني رافعة راسي ومفتخرة بيها.
ربنا يخليها لك أنا مطمن عليكي طول ما انتي معاها.
مطمن عليا! غمغمت بها قاطبة تزداد حيرة يوما عن يوم وتتابع بتساؤلها
في إيه إنت ليه مصطلحاتك غريبة أسمع منك! أطمن عليكي! صفتك إيه عندي انت عشان تكلمني كده
ابتسامة اعتلت محياه يردد بخبث
قريب هيبقالي إن شاء الله... متستعجليش.
ارتفع طرف شفتها باستهجان واستخفاف وقد خمنت الآن إلى ما يرنو إليه
يا خفيف! دا انت واثق جوي من نفسك والله. طب عن إذنك بجى أسيبك لأوهامك وأروح لدروسي. جال استعجل جال!
همت أن تتخطاه وتغادر ولكنه منعها يتصدر أمامها متجاهلا سخريتها يقدم لها حفنة كبيرة من ثمار التين بكفه
ماشي يا ستي ما علينا. ممكن تاخدي دول نصيبك من شجرتكم اللي بطلعها وآخد منها أحلى تين.
شرعت في الرفض ولكن انتباهها لشيء ما جعلها تتراجع فاتحة كفيها الاثنين بابتسامة ممتنة تتناولهم منه. وعلى قدر ما أسعدته إلا أنها أثارت بداخله ارتيابا لفعلها حتى انكشف السر حينما هتفت بأحدهم من خلفه
حازم!
سمع هو ليلتفت برأسه للخلف نحو الجهة التي تنظر إليها وهذا الفتى القريب المقارب إلى حد
ما من عمرها الصغير يغير وجهته بعد مغادرته المنزل من الباب الرئيسي ليقترب منهما بعد استماعه لندائها ليأتي إليها ملبيا
ليلى هانم بنفسها بتنده عليا! مين ده
كاد يجيب عن سؤاله بجلافة ولكنها سبقته بمكرها
ده البشمهندس معاذ! أكيد شوفته جبل كده. خد دوق التين ده أصله أحسن واحد يطلع الشجرة وينقي منها أحلى تين. خد يا حازم خد.
تناول منها حازم فاردا كفيه يتلقاهن بترحاب فيقرب إحداهن من فمه يتذوقها بتلذذ قائلا له
حلوة جوي دي! طازة ومستوية على آخرها.
تبسمت بملء فمها تخاطبه
يللا بجى عشان تشكر البشمهندس معاذ وأسيبكم أنا وامشي على درسي. عن إذنكم.
وهكذا تحركت ذاهبة من أمامه تاركه إياه مذهولا أمام هذا الفتى الذي تناول أخرى يردد بمرح
تسلم يدك يا بشمهندس! بصراحة مش عارف أشكرك إزاي أسيبك أنا كمان وأتسلى في التين ده براحتي في الطريق وأنا مروح بيتنا.
تجمد معاذ يطالع ذهاب الفتى ثم ينقل بصره نحو تلك الماكرة التي تخطت نصف الطريق ليغمغم بغيظ وتوعد من خلفها
ماشي يا ليلى! أنا إن ما كنت أربيكي على المقلب ده... مبقاش أنا معاذ!
وفي مكان آخر حيث وجد هذا الشقي ملاذه الآمن عند أحد أصدقائه القدامى لجأ إليه عله يجد حلا ويعالج إصابة قدمه المؤلمة والتي لم تتوقف عن النزيف حتى الآن رغم لفها بالعديد من الأربطة. كان المدعو جمعة يرفع قدمه الآن ليقوم بتطهيرها
يخرب مطنك يا عطوة دي الطلجة فاتت من القصبة وعدت منها!
تأوه المذكور بألم وهو يرد
ما أنا عارف يا زفت إنها عدت وربنا ستر. كنت هلاجي منين دلوك حد يطلعهالي اخلص يلا شوف هتعمل إيه يخفف عني الوجع.
رد جمعة وهو يباشر عمله بخبرة اكتسبها عبر سنوات خدمته في المشافي الحكومية كممرض
يا سيدي هخلصك بس إنت اهدى كده واتحمل... ولا أتسلى معايا واحكيلي إيه اللي عمل فيك كده وانت مبطل الشقاوة من زمان دي عملية كبيرة وتستاهل إنك تغامر فيها ولا إيه
أجابه عطوة وهو يجاهد ليتحمل الألم
هي فعلا كانت تستاهل مغامرة... بس مش فلوس يا وش الفقر أنا ربنا غناني من ساعة ما ورثت أبوي بعد ما مات. لكن الحظ بجي... هو اللي عملها وعاندني!
حظ إيه! سأله صديقه فأجابه وعيناه شردتا إلى ما يحب بطل يا واض! طول عمري شايفها وبتحسر على حظها اللي جاعدة في عصمته ولما الجو خلا وقلت هانت... لقيت اللي يتصدر جدامي زي اللجمة في الزور!
ضحك المدعو جمعة وأضاف ساخرا
أيوة بجى قجول كده... يعني الموضوع فيه تاء التأنيث! مصيبة كمان تكون هي اللي صابتك
نظر له عطوة بصمت أبلغ من الكلام ليضيف جمعة بسخرية
وه يا فقري! يعني صابت جلبك ورجلك كمان! طب اتحمل بجى... جزاة الشجاوة!
قالها وهو يضغط المطهرات على الجرح فتعالت تأوهات عطوة من الألم المضاعف. حتى إذا انتهى من المرحلة الصعبة خفف عنه قليلا ليلتقط أنفاسه قبل أن يعاود بسؤاله
طب أنا دلوك بعد ما أخلصك هينفع تروح البيت ولا...
قاطعه عطوة بحدة
لا طبعا هبيت عندك. أنا أصلا جاي البلد هنا أختفي عندك لحد ما تخف رجلي. ما ينفعش حد يشوفني وأنا بالتعويرة دي أكيد هتكشف ويتعرفوني. دا أنا ما صدجت أهرب بالمكنة قبل ما حد يشوفني... ولا هي نفسها تعرفني. وأهي فرصة أفكر زين في خطوتي الجاية.
أومأ جمعة وهو يمط شفتيه بضجر لم يخف على الآخر فسارع عطوة لإرضائه
اطمن يا حبيبي كله بتمنه... ما أنا عارفك زي الموس طالع واكل نازل واكل مفيش حاجة عندك من غير تمن! وخد يا أخوي أهو عربون.
تناول جمعة رزمة النقود الورقية فافتر فاهه بضحكة سمجة مرددا ضاحكا
ولزومه إيه بس الاستعجال يا حبيبي ما إنت جاعد معايا... بيتك ومطرحك!
عاد إلى المنزل محملا بغضبه من تلك المتمردة وذلك المقلب الذي فعلته به رغم قلقه عليها منذ الصباح وما فعله من المستحيل كي يراها. ولكن لا بأس سوف يأتي وقت حسابها
وساعتها لن يتهاون أو يسمح لها أن تكلم أحدا غيره.
تقابلت عيناه بعيني والدته وقد كانت جالسة في محلها المعتاد وسط الدار بصحبة منى التي تعمد إلقاء التحية عليها متجاهلا والدته مما استفز الأخيرة فهتفت
 

 

تم نسخ الرابط