مكالمة نص الليل

لمحة نيوز

جزء من لعبة أكبر.
قلت له بصوت مخنوق
إنت عمرك ما كنت الشخص اللي أنا فاكرة إني اتجوزته.
مارك بص للأرض.
يمكن. لكن كل لحظة حلوة عشناها كانت حقيقية بالنسبة لي.
ما رديتش.
ركبت العربية مع الظابط، ومشيت من غير ما أبص ورايا.
بعد أسبوع، بدأت تفاصيل القضية تظهر واحدة ورا التانية.
الراجل اللي أطلق النار على إدوارد كان شغال لحساب مجموعة من الأشخاص اللي حاولوا يسترجعوا الملف المشفر بأي طريقة.
واتضح إن الحادثة اللي مات فيها الرجل المجهول ما كانتش مجرد حادثة عادية. العربية كانت مسجلة باسم مارك، لكن الشخص اللي كان سايقها استخدم هوية مزيفة، وكان المفروض يقابل شخصًا عنده نسخة من الملف.
أما المكالمة اللي جت لي الساعة واحدة ونص، فكانت جزءًا من خطة لكشف إذا كان مارك موجودًا في البيت بالفعل، أو إذا كان قد هرب بعد الحادثة.
والظابط اللي كلمني كان بيحاول يحمي التحقيق، لكنه ما كانش عنده دليل كافي وقتها يثبت إن مارك هو الشخص المطلوب.
ومع فحص أجهزة مارك، اكتشفت الشرطة إن فيه نسخة احتياطية مشفرة فعلًا على جهاز قديم كنت محتفظة بيه في مخزن صغير تحت السلم.
لكن الملف ما كانش فيه أسماء مجرمين وبس.
كان فيه كمان أدلة على إن مارك ساعد في كشف جزء من الشبكة قبل سنوات، وإنه سرق الملفات الأصلية عشان يمنع استخدامها في ابتزاز ناس مالهمش ذنب.
ده ما كانش معناه إنه بريء.
كان متورط في تزوير هويات وتحويلات مالية غير قانونية، وكان لازم يتحاسب على أفعاله.
لكن الصورة ما كانتش بسيطة زي ما تخيلت في البداية.
بعد أيام من التحقيق، طلبت أزور إدوارد في المستشفى.
كان جرحه اتحسن، ولما شافني ابتسم ابتسامة متعبة.
كنت عارف إنك هتيجي.
قعدت على الكرسي اللي جنب سريره.
أنا جيت عشان أسألك سؤال واحد. إنت ليه بعت لي الرسالة؟
إدوارد سكت شوية.
لأن مارك كان ناوي يهرب.
بصيت له باستغراب.
يهرب؟ هو قال لي إنه كان عايز يحميني.
إدوارد هز راسه.
الاتنين ممكن يكونوا صح. هو كان عايز يحميكي، لكنه كمان كان عايز يهرب من الماضي. ولما عرف إننا قربنا منه، قرر إنه لازم ينهي الموضوع قبل ما يخسرك.
طب ليه ما قال ليش الحقيقة من الأول؟
لأنه كان عارف إنك لو عرفتي، هتطلبي منه يسلّم نفسه. وهو كان خايف من ده.
نزلت عيني للأرض.
أنا كنت بثق فيه ثقة عمياء.
إدوارد قال بهدوء
الثقة مش غلطتك. الغلط غلط اللي استغلها.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الطريق وأنا راجعة البيت.
لأول مرة من سنين، دخلت الشقة لوحدي.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الكوباية اللي كان بيشرب فيها القهوة، الجاكيت اللي كان بيرميه على الكنبة، والصورة اللي كانت متعلقة على الحيطة يوم فرحنا.
وقفت قدام الصورة.
كنت بضحك فيها، وهو حاضني من كتفي.
وقتها افتكرت إن الإنسان ممكن يعيش سنين جنب شخص، ويكون عارف تفاصيل يومه كلها، لكنه ما يعرفش عنه الحقيقة الأساسية.
ومع ذلك، ما قدرتش أكره كل الذكريات.
لأن فيه لحظات كانت حقيقية فعلًا.
وده كان أصعب جزء في الحكاية كلها.
بعد حوالي شهر، اتحدد أول موعد للتحقيق الرسمي مع مارك.
كنت مترددة أروح، لكن المحامي قال لي إن وجودي ممكن يساعد في توضيح بعض التفاصيل.
دخلت غرفة الزيارة، ولقيته قاعد ورا حاجز زجاجي.
كان شكله متغير. دقنه طالعة، وعينيه مرهقة، والساعة الفضية مش في إيده.
رفع عينه أول ما شافني.
آنا.
قعدت قصاده.
إزيك؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
السؤال ده غريب بعد كل اللي حصل.
أنا مش عارفة أقول لك إيه.
مش مطلوب منك تقولي حاجة.
سكتنا شوية.
وبعدين سألته
ليه اخترتني أنا؟
بص لي طويلًا، وبعدها قال
أول مرة شفتك كانت في المكتبة اللي جنب شغلي القديم. كنتِ بتدوري على كتاب، والنسخة الأخيرة كانت معايا. عرضت إني أسيبها لك، وإنتِ رفضتي وقلتي إنك مش محتاجة حد يتنازل لك عن حاجة عشان تاخديها.
ابتسم بحزن.
وقتها حسيت إنك مختلفة. كنتِ بتتكلمي بثقة، ومش بتخافي تقولي رأيك. وبعدها قابلتك تاني بالصدفة، وبدأنا نتكلم. أنا كنت مخطط أبدأ حياة جديدة، لكن ما كنتش مخطط أقع في حبك.
بصيت له بوجع.
الحب مش كفاية يا مارك.
عارف.
لو كنت بتحبني فعلًا، كنت ادتني فرصة أختار إذا كنت عايزة أعيش معاك وأنا عارفة حقيقتك.
هز راسه.
عندك حق.
ولأول مرة، ما حاولش يبرر.
سألته
هل فيه حاجة تانية لسه مخبيها عني؟
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
أيوه. فيه حاجة أخيرة.
قلبي انقبض.
إيه؟
قبل جوازنا بست شهور، حد بعت لي رسالة بيقول إنه عارف هويتي الحقيقية. حاولت أعرف مين، لكن ما قدرتش. وبعد جوازنا، الرسائل اختفت. أنا كنت فاكر إن الموضوع انتهى، لكن بعد حادثة العربية اكتشفت إن الشخص ده رجع يظهر من جديد.
مين هو؟
هز راسه.
ما عرفتش لحد دلوقتي.
وقفت من مكاني.
كنت تعبانة من الأسرار، ومن كل مرة أفتكر فيها إن الحقيقة ظهرت، ألاقي باب جديد بيتفتح.
قلت له
أتمنى لما ييجي اليوم اللي تعرف فيه كل حاجة، تكون عندك الشجاعة إنك تقولها من غير ما تكذب.
مارك قرب إيده من الزجاج.
آنا، أنا آسف.
بصيت له للحظات.
وبعدين قلت
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك يومًا ما، لكني مش هفضل سجينة الماضي بتاعك.
ومشيت.
بعد خروجي من المحكمة بشهر تقريبًا، بدأت أحاول أرجع لحياتي الطبيعية.
غيرت أقفال الشقة، وبعت العربية، ونقلت حاجتي لمكان تاني.
أما الملف المشفر، فسلمته للشرطة من خلال المحامي، بعد ما اتأكدت إن نسخه اتعملت بطريقة قانونية وإنه مش هيتستخدم لابتزاز أي شخص.
القضية استمرت شهورًا، واتكشفت خلالها أسماء جديدة، واتقبض على أشخاص كانوا فاكرين إنهم يقدروا يفضلوا مستخبيين طول العمر.
مارك اعترف بجزء كبير من التهم المتعلقة بهويته المزيفة وتورطه المالي، واتحط تحت المحاكمة.
أما أنا، فبدأت أتعلم إزاي أعيش من غير ما أفضل أدور على إجابة لكل سؤال.
كنت فاكرة إن أصعب لحظة في حياتي هي لما ظابط يتصل بيا الساعة واحدة ونص ويقول لي إن جوزي مات، بينما هو نايم جنبي.
لكن الحقيقة إن أصعب لحظة كانت لما اكتشفت إن الراجل اللي كنت بحس معاه بالأمان، هو نفسه الشخص اللي خلاني أشك في كل حاجة حواليا.
ومع الوقت، فهمت إن النجاة مش معناها إنك تعرف كل الأسرار.
أحيانًا النجاة معناها إنك تبعد عن الشخص اللي خلاك تشك في نفسك، حتى لو كنت لسه بتحبه.
عدت ست شهور.
في يوم شتوي هادي، كنت قاعدة في كافيه صغير جنب المكتبة اللي اتعرفت فيها على مارك أول مرة.
كنت بقلب في كتاب، وفجأة جرس الباب رن.
رفعت عيني بشكل تلقائي.
دخل راجل طويل، لابس معطف رمادي، وفي إيده ساعة فضية.
قلبي اتقبض للحظة.
لكن لما قرب، لاحظت إن ملامحه مختلفة تمامًا.
ابتسم بأدب وسألني
الكرسي ده فاضي؟
هزيت راسي.
أيوه، اتفضل.
قعد، وطلب قهوة، وبعدها فتح جريدة كان شايلها تحت إيده.
وأنا رجعت أبص في كتابي.
لأول مرة من شهور، ما كنتش بفكر في مارك، ولا في الحادثة، ولا في الجثة، ولا في المكالمة اللي قلبت حياتي.
كنت بس آنا.
امرأة اتخدعت، واتوجعت، لكنها نجت.
بعد شوية، تليفوني رن.
كان رقم المحامي.
رديت.
ألو؟
قال لي
مدام آنا، عندي خبر بخصوص القضية. المحكمة أصدرت قرارها النهارده، وفيه تطورات
تم نسخ الرابط