مكالمة نص الليل

لمحة نيوز

ليكي، فغيرت مكانها وبدأت حياة جديدة باسم مختلف.
لكن ليه ما قالتليش الحقيقة لما كبرت؟
توماس بص لي بحزن.
لأنها كانت عارفة إن الحقيقة هتخليكي هدف من جديد. وهي كانت فاكرة إن كل الملفات ضاعت، وإن جون مات فعلًا.
سألته
وإنت إزاي عرفت إني هاجي؟
قام من مكانه، ودخل أوضة جانبية، وبعد شوية رجع ومعاه صندوق خشب صغير.
حطه قدامي، وفتحه.
جواه كانت فيه خطابات وصور، وفي النص ظرف مكتوب عليه اسمي.
قال
أبوكي ساب الظرف ده عندي قبل ما يختفي. وطلب مني ما أسلمهوش ليكي إلا لو وصلتي بنفسك وسألتي عنه.
مد إيده ناحيتي.
أعتقد إن الوقت جه.
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه خطاب طويل بخط إيد راجل ما أعرفوش، لكن أول سطر خلاني أعيط من غير ما أحس.
إلى ابنتي آنا، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أرجع لك بنفسي.
كملت القراءة وأنا بمسح دموعي.
أنا عارف إنك ممكن تكوني كرهتيني عشان اختفيت من حياتك، وعارف إن أمك قالت لك إني مت. لكن الحقيقة إني اضطررت أختفي عشان أحميكي من ناس كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يوصلوا للملفات اللي معايا.
أنا ما كنتش أب مثالي، وارتكبت أخطاء كتير، لكن عمري ما بطلت أحبك.
لو في يوم قابلتي آدم كين، ما تثقيش فيه بسهولة. هو مش الشخص الوحيد المسؤول عن اللي حصل، لكنه اختار يسكت لما كان يقدر يتكلم.
ولو لقيتي نفسك قدام اختيار بين معرفة الحقيقة والحفاظ على حياتك، افتكري إن الحقيقة مش دايمًا بتكون في الأوراق. ساعات بتكون في اختيارات الناس لما محدش بيشوفهم.
وصلت لآخر سطر.
أبوكِ، جون.
فضلت ماسكة الخطاب على صدري، وبعيط زي طفلة صغيرة.
طول عمري كنت فاكرة إن أبويا مات من غير ما يودعني.
دلوقتي عرفت إنه كان عايش فترة بعد اختفائه، وإن أمي كانت بتحاول تحميني من ماضيه.
لكن السؤال اللي ما زال بيوجعني هو هل مات فعلًا بعد كده، ولا لسه فيه احتمال إنه يكون عايش؟
رفعت عيني لتوماس.
هو فين دلوقتي؟
توماس نزل عينه.
ما أعرفش. آخر خبر وصلني عنه كان من حوالي عشر سنين. واحد من معارفه قال إنه شافه في دولة تانية، لكن ما كانش عندنا دليل.
ديفيد تدخل
لو عندنا اسم كامل وسجلات قديمة، نقدر نراجع قواعد البيانات المتاحة، لكن مش هنوعد بأي نتيجة.
هزيت راسي.
كنت عارفة إن ده مش وقت الأمل الكداب.
لكن لأول مرة، بقيت عندي حقيقة أقدر أبني عليها بدل ما أفضل عايشة وسط حكايات ناقصة.
بعد ما رجعنا، الشرطة استكملت التحقيق في ملف الشركة القديمة.
ومن خلال الأوراق اللي لقيناها، اتضح إن أمي كانت قد ساعدت في نقل مستندات مهمة بعيدًا عن المجموعة قبل ما تختفي.
أما مارك، فكان فعلًا يعرف أمي من زمان.
لكن الحقيقة كانت مختلفة عن اللي توقعتها.
هو ما اختارنيش لأنه كان متأكد إن عندي الملف المشفر، ولا لأن أمي سلمته لي.
هو قابلني فعلًا بالصدفة بعد سنين من اختفاءه، لكنه عرف هويتي الحقيقية بعد فترة قصيرة من بداية علاقتنا.
ولما اكتشف إني بنت جون هاريس، بدأ يخاف من إن الماضي يرجع يهددنا.
بدل ما يقول لي الحقيقة، اختار يكذب.
ولما رجعت المجموعة تدور على الملفات، بدأ يحاول يوصل للنسخة المشفرة اللي كانت على اللابتوب القديم.
الملف كان عندي من غير ما أعرف، وده خلاهم يراقبوني.
لكن مارك ما كانش الوحيد اللي بيحاول يحميني.
أمي كانت سابت عند توماس تعليمات واضحة لو حد وصل لآنا وسأل عن جون، لازم تتأكدوا الأول إن الشخص ده مش تابع للمجموعة.
عشان كده توماس ما اتصلش بيا من نفسه، وما حاولش يدخل حياتي.
كان مستني اللحظة اللي أوصل فيها للحقيقة بنفسي.
وبعد مراجعة الأدلة، قدر المحققون يثبتوا إن مارك أخفى معلومات مهمة عن القضية، لكنه ما كانش هو اللي أصدر الأمر بمحاولة الاعتداء عليّا.
وده ما غيّرش حقيقة إنه خدعني، لكنه ساعد في تحديد مسؤولية كل شخص عن اللي حصل.
بعد شهر، وافقت أقابل مارك مرة تانية.
المرة دي، ما كانش عندي أسئلة كتير.
كنت عايزة أعرف حاجة واحدة.
دخلت غرفة الزيارة، وقعدت قدامه.
أول ما شافني، قال
عرفتي كل حاجة؟
حطيت صورة أمي وأبويا على الطاولة.
عرفت إنك كنت تعرف أمي قبل ما تقابلني. وعرفت إنك اكتشفت إني بنت جون بعد ما اتجوزنا. وعرفت إنك فضلت ساكت عشان كنت خايف أخسرك.
مارك فضل باصص للصورة.
أنا كنت عايز أقول لك.
إمتى؟ بعد ما الشرطة تكتشف؟ ولا بعد ما حد يحاول يقتلني؟
نزل عينه.
ما عنديش عذر.
قلت له
لأ، ما عندكش. لأنك ما كنتش بتحميني لما كذبت عليّا. إنت كنت بتحمي نفسك من مواجهة الماضي.
مارك رفع عينه ليا، وكانت مليانة دموع.
أنا بحبك يا آنا.
حسيت بألم في صدري، لكن المرة دي ما سمحتش للألم إنه يخليني أتراجع.
يمكن تكون بتحبني فعلًا. لكن الحب مش معناه إنك تملك حقي في معرفة الحقيقة. وأنا مش هقدر أرجع للست اللي كنتها قبل المكالمة دي.
سكتنا فترة طويلة.
وبعدين طلعت من شنطتي ورقة صغيرة، وحطيتها قدامه.
كانت نسخة من خطاب أمي.
دي آخر حاجة كتبتها لي. كانت بتقول إن أبويا اختفى عشان يحميني، وإنها اختارت تكمل حياتها بعيد عن كل اللي حصل.
مارك قرأ السطر الأول، وبعدها قفل عينيه.
مريم كانت أشجع مني.
قلت له
أيوه. لأنها لما غلطت، حاولت تصلح غلطها. إنت فضلت تهرب.
قمت من مكاني.
وقبل ما أخرج، سمعته بيقول
آنا، لو لقيتي أبوكي، قولي له إني آسف.
ما التفتش.
قلت بس
لو لقيته، هقوله إنك كنت جزءًا من الحقيقة، مش الحقيقة كلها.
وخرجت.
مرت سنة كاملة.
ما لقيتش أبويا، رغم إن الشرطة راجعت سجلات كتير وحققت في بلاغات اختفاء قديمة.
لكن توماس بقى شخص قريب مني، وكان كل ما أقابله يحكي لي موقفًا جديدًا عن أبي.
عرفت إنه كان بيحب البحر، وإنه كان بيكتب رسائل طويلة، وإنه كان بيحلم يفتح مكتبة صغيرة لما يكبر.
بدأت أحس إني بعرفه من خلال الحكايات، حتى لو ما قدرتش أشوفه بعيني.
أما أمي، فبطلت ألومها كل يوم.
أنا لسه زعلانة إنها خبت عني الحقيقة، لكن بقيت فاهمة إنها كانت خايفة، وإن خوفها خلاها تاخد قرارات يمكن ما كانتش صح، لكنها كانت فاكرة إنها بتحميني.
ومارك؟
القضية أخدت مجراها القانوني، واتحاسب على التهم اللي ثبتت عليه.
ما رجعتش له، وما حاولش يطلب مني أرجع.
آخر رسالة وصلتني منه كانت قصيرة جدًا
أنا آسف إني خليتك تدفعي تمن أسراري. أتمنى في يوم تعرفي تعيشي من غير ما تخافي من رنة التليفون في نص الليل.
احتفظت بالرسالة، لكن ما رديتش.
مش لأن قلبي بقى حجر، لكن لأن في أبواب لازم تتقفل حتى لو اللي وراها لسه ليه مكان في قلبك.
وفي ليلة هادية، بعد سنة وشهرين من المكالمة الأولى، كنت قاعدة في شقتي الجديدة، بقرأ كتابًا قديمًا اشتريته من مكتبة صغيرة.
فجأة، تليفوني رن.
الساعة كانت واحدة ونص بالليل.
فضلت باصة للشاشة، وقلبي بدأ يدق بنفس الطريقة اللي دق بيها يوم سمعت إن جوزي مات.
الرقم كان مجهولًا.
كنت على وشك أرفض المكالمة، لكن حاجة جوايا قالت لي أرد.
ألو؟
سمعت صوت راجل كبير في السن، هادي ومتعب.
آنا هاريس؟
تجمدت.
أيوه، مين معايا؟
سكت ثواني، وبعدها قال
تم نسخ الرابط