مكالمة نص الليل
المحتويات
حاجة عن مارك.
وإنها سابتني أتجوزه من غير ما تحذرني.
وصلت للمبنى القديم بعد الضهر.
كان عبارة عن عمارة من أربع أدوار، واجهتها متشققة، واللافتة القديمة لسه معلقة فوق المدخل، رغم إن حروفها كانت باهتة.
دخلت مع ديفيد وظابط تاني.
المكان كان مليان تراب، والمكاتب فاضية إلا من شوية دواليب حديد وملفات قديمة.
ديفيد قال
حسب السجلات، الشركة اتقفلت رسميًا، لكن فيه جزء من المبنى فضل تحت ملكية مؤسسة خاصة.
مشينا لحد آخر ممر في الدور التاني.
كان فيه باب خشب قديم عليه رقم 17.
نفس رقم المخزن اللي قابلت فيه إدوارد!
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الظابط فتح الباب بمفتاح كان معاه، ودخلنا.
الأوضة كانت صغيرة، فيها مكتب وكرسيين وخزانة ملفات.
وعلى الحيطة، كانت فيه صورة قديمة لعدد من الموظفين واقفين قدام شعار الشركة.
قربت من الصورة.
وفي اللحظة اللي شفت فيها أمي، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
كانت واقفة في الصف التاني، أصغر بحوالي عشرين سنة، وشعرها طويل، ووشها مبتسم.
لكن اللي صدمني أكتر إن الراجل اللي واقف جنبها كان مارك.
أو آدم كين، زي ما عرفنا.
بصيت لديفيد.
دي أمي... وده جوزي.
ديفيد قرب من الصورة، وبدأ يفحصها.
واضح إنهم كانوا زملاء عمل.
زملاء عمل؟ أمي عمرها ما قالت إنها تعرفه!
ديفيد ما ردش.
فتحت درج المكتب، ولقيت ظرف قديم مكتوب عليه اسم أمي بالكامل.
جواه كانت مجموعة أوراق، وخطابات، وصورة تانية لأمي وهي واقفة مع راجل ما شفتوش قبل كده.
وتحت الصورة مكتوب
إلى مريم، شكرًا لأنك اخترتي تحمي بنتك.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت أول خطاب.
كان مكتوب بخط أمي
أنا عارفة إنك هتعتبر اللي بعمله خيانة، لكن أنا مش هسمح إن بنتي تدفع تمن أخطاء أنا شاركت فيها. آدم مش وحش زي ما الناس بتقول، لكنه جبان، وبيهرب من الحساب. لو رجع يدور على آنا، لازم تعرف الحقيقة كاملة قبل ما تثق فيه.
وقفت مكاني.
آدم مش وحش زي ما الناس بتقول؟
أمي كانت بتدافع عنه!
قلبت الورقة، ولقيت التاريخ قبل جوازي من مارك بست سنين.
وفي آخر الخطاب كان فيه سطر متعلم عليه بقلم أحمر
آنا مش عارفة إن والدها الحقيقي لسه عايش.
حسيت إن الدنيا اسودت قدامي.
والدي الحقيقي؟
أنا طول عمري أعرف إن أبوي مات وأنا عندي سبع سنين، وكنت محتفظة بصورته في درج أوضتي.
أمي كانت بتقول إنه مات في حادثة سفر، وإن جثته اتدفنت في بلد بعيدة، وإنها ما قدرتش تاخدني معاه وقتها.
لكن لو كان لسه عايش...
يبقى مين الراجل اللي اتربيت وأنا فاكرة إنه أبويا؟
ومين الشخص اللي أمي كانت بتحاول تحميني منه؟
بصيت لديفيد وقلت بصوت بالكاد طالع
أنا محتاجة أعرف مين أبويا الحقيقي.
ديفيد أخد الخطاب مني بحذر.
هنراجع كل المستندات، لكن لازم تكوني مستعدة لأي نتيجة.
ضحكت بمرارة.
أنا من يوم ما سمعت المكالمة دي، وكل يوم بكتشف إن حياتي كلها كانت مبنية على كذبة. أعتقد إني خلاص مستعدة لأي حاجة.
لكن كنت غلطانة.
لأن اللي استنياني في آخر درج المكتب كان أكبر من قدرتي على التخيل.
كان فيه مفتاح صغير مربوط بخيط أحمر، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان بيت في مدينة ساحلية، وتحت العنوان جملة واحدة
لو آنا وصلت للحقيقة، يبقى آدم فشل في حمايتها.
ديفيد طلب مني ما ألمسش أي حاجة تانية، وبدأ يصور الأوراق، لكن أنا كنت مشغولة بسؤال واحد.
مين أبويا الحقيقي؟
وليه أمي خبت عني إنه لسه عايش؟
رجعت البيت مع الشرطة، لكن ما قدرتش أستحمل وأستنى نتيجة التحقيق.
اتصلت بالمحامي سامح، وحكيت له اللي لقيته.
قال لي
آنا، العنوان اللي في الورقة لازم يتراجع الأول. ممكن يكون فخ، وممكن يكون عنوان قديم ملوش علاقة بالقضية.
قلت له
أنا مش هروح لوحدي، بس لازم أعرف. أنا عشت عمري كله فاكرة إن أبويا مات، وطلع فيه احتمال إنه يكون عايش.
رد بهدوء
هنطلب من الشرطة تتحقق من العنوان، وأول ما يكون فيه معلومات موثوقة هنعرف.
قفلت المكالمة، وطلعت صندوق الصور القديم اللي أمي كانت محتفظة بيه.
قعدت أقلب الصور واحدة واحدة.
صور عيد ميلادي، وصور المدرسة، وصور أمي وهي شايلاني وأنا صغيرة.
وبعدين لقيت صورة كنت شفتها مئات المرات قبل كده.
أنا عندي سبع سنين، واقفة جنب أمي قدام بيتنا القديم، وفي الخلفية راجل واقف بعيد عن الكاميرا، ملامحه مش واضحة.
كنت فاكرة إنه واحد من الجيران.
لكن لما قلبت الصورة، لقيت أمي كاتبة
آنا مع والدها، آخر زيارة قبل الفراق.
فضلت باصة للجملة.
آخر زيارة قبل الفراق!
مش قبل الوفاة.
يعني أمي نفسها ما كتبتش إنه مات.
هي كتبت إنه فارقنا.
وفي اللحظة دي، افتكرت موقف قديم جدًا.
كنت عندي عشر سنين، وكنت قاعدة مع أمي في المطبخ، فسألتها ليه ما عنديش صور كتير لأبويا.
وقتها وشها اتغير، وقالت لي
في ناس يا بنتي بنفتكرهم أحسن ما نعرف حقيقتهم.
أنا زعلت منها وقتها، وافتكرت إنها مش عايزة تتكلم عنه عشان لسه حزينة على موته.
لكن دلوقتي فهمت إن الجملة كان ليها معنى تاني خالص.
تاني يوم، ديفيد اتصل بيا.
قال إن العنوان اللي في الورقة يعود لبيت قديم كان مملوكًا لرجل اسمه توماس ويلسون.
نفس اسم العيلة اللي أمي كانت بتحمله بعد جوازها.
لكن توماس ما كانش مسجل كزوج لأمي، ولا كان فيه أي مستند رسمي يثبت علاقته بيا.
طلبت منه نروح العنوان، ووافق بشرط إننا نروح مع فريق من الشرطة.
بعد رحلة طويلة، وصلنا لبيت صغير على أطراف المدينة الساحلية.
كان البيت قديم، محاط بسور حديد، وفيه شجرة كبيرة قدام الباب.
ديفيد خبط.
بعد دقيقة، الباب اتفتح.
ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان واقف بثبات.
أول ما عينيه وقعت عليّا، اتجمد مكانه.
فضل باصص لي فترة طويلة، وبعدها همس
آنا؟
أنا ما عرفتش أقول حاجة.
هو عرف اسمي من غير ما حد يعرّفه بيا.
ديفيد سأله
حضرتك توماس ويلسون؟
هز راسه.
أيوه.
ديفيد طلع صورة أمي من الملف.
تعرف السيدة دي؟
الراجل أخد الصورة، وإيده بدأت تترعش.
مريم... أيوه، أعرفها.
بص لي تاني، وعينيه بدأت تلمع.
ادخلوا. كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
دخلنا البيت، وقعدنا في صالة صغيرة فيها صور قديمة وكتب مترتبة على رفوف خشب.
الراجل قعد قصادي، وبص لي كأنه بيحاول يحفظ ملامحي.
وبعدين قال
أنا مش أبوكي يا آنا، لكن أبوكي الحقيقي كان أقرب صاحب ليا.
اتخضيت.
يعني إنت تعرف أبويا؟
أيوه. اسمه الحقيقي جون هاريس.
اسم هاريس خلاني أفتكر جوزي فورًا.
سألته بسرعة
هل كان يعرف آدم كين؟
توماس هز راسه.
للأسف، أيوه. أبوكي وآدم كانوا بيشتغلوا في نفس الشركة، لكن أبوكي اكتشف إن فيه معاملات مالية مزورة، وإن ناس كتير بتستخدم هويات أشخاص حقيقيين عشان يخفوا فلوسهم. حاول يبلغ عنهم، لكن قبل ما يعمل كده، اكتشف إن فيه حد قريب منه بيسرب المعلومات.
مين؟
توماس سكت لحظة، وبعدها قال
مريم.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
أمي؟!
في البداية، أيوه. كانت بتشتغل معاهم، وكانت بتنفذ تعليمات من غير ما تعرف حجم الجريمة. لكن لما اكتشفت إنهم بيخططوا يورطوا جون في القضية، حاولت تصلح غلطها.
بصيت له بعدم تصديق.
طب ليه قالت لي إن أبويا مات؟
توماس أخد نفس طويل.
لأن جون اختفى بعد ما قدم أدلة ضد المجموعة، والناس اللي كان بيحقق معاهم كانوا فاكرين إنه أخفى نسخة من الملفات الأصلية. مريم خافت إنهم يوصلوا
متابعة القراءة