رواية حان الوصال بقلم امل نصر 49_1

لمحة نيوز

إيه
هتف طلال بهذه الكلمات فور أن وطأت قدماه داخل البناية وقد تسرب إليه القلق من وقفتها تلك وكأن شيئا ما قد حدث.
أمك حصل لها حاجة ولا حد من إخواتك
تحمحت تجلي حلقها متظاهرة بالمزاح في ردها
جرى إيه يا طلال هو أنا معوزاكش غير في المصايب ما ينفعش يعني أبقى عايزاك في طلب يخصني
لمس في نبرتها الأخيرة لمحة من دلال استغربها منها فحثها على المواصلة قائلا بجدية
يا ستي إنت تؤمريني. قولي اللي عايزاه يا سامية.
تشجعت لتزيد من جرعة الدلال
في الحقيقة هو مش طلب واحد هما كذا طلب وأنا عشمانة في كرمك يا طلولتي ما تكسفنيش.
ضحك ساخرا ثم تحرك من أمامها ليجلس

على أول درجات السلم المؤدي إلى منزلهم. أخرج علبة سجائره من جيب بنطاله وسحب واحدة منها مرددا خلفها.
طلولتك كمان! لا ده شكل الموضوع كبير فعلا. قولي يا غالية على الكام طلب دول إحنا أكيد قدها.
سحبت شهيقا عميقا لتجمع شجاعتها ثم بدأت في طرح مطلبها أو بالأحرى مطالبها.
نفث دخان سيجارته في الهواء وبهدوئه المريب تابع يستدرجها
آه وإيه تاني كمان غير الفستان اللي عايزاه من أغلى محل فيكي يا جمهورية
لو كانت في حالتها الطبيعية لكانت علمت أن هذا الصمت لا يعني الخير ولكن ذهنها المضطرب صور لها رضوخه وموافقته فاندفعت أحلامها إلى أبعد مدى لتصل إلى ما لا يقل عن بهجه فبدأت تعد على أصابعها كل ما يتبادر إلى ذهنها.
الشبكة يا طلال هنغير الدهب كله. إيه داعي للغوايش والشغل البلدي ده والألماس برقبته. يبقى هنغير الشبكة لألماس والفرح هنأجر قصر من بتوع الباشوات ونعمل ليلتنا فيه. سك على حجز القاعة والكلام الفاضي. وأنت...
توقفت تتأمله من رأسه إلى قدميه بتفحص وتمعن مما أشعل في نفسه غضبا شديدا فهو يعلم تماما ما يدور في رأسها من مقارنات مجحفه في حقه.
أنت هغيرك خالص يا طلال. تغير أولا استايل لبسك وقصة شعرك من حلاق الغبرة تنساها خالص. هتروح لأحسن كوافير رجالي. لازم يبقى التغيير شامل من كله. أبوك غني يا طلال وأنت كسيب يعني تقدر تبقى أحلى واحد في المنطقة وفي المحافظة كمان. أنا عايزة يوم الفرح كل البنات يحسدوني عليك.
نثر السيجارة من إصبعه ليقف أمامها مباشرة ثم يفاجئها بتعقيبه.
طب وإيه لزوم التعب ده كله تاخدي واحد تعمليله عمرة من أول وجديد ليه ما تغيري العريس نفسه يا غالية.
إيه إزاي يعني
تمتمت بها بعدم فهم وذهنها الغائب لم يستوعب بعد ليجفلها بصيحته
إيه يا روح أمك مش هو ده اللي بيدور في راسك دلوقتي عايزة عريس زي اللي هتاخده بنت عمك ويا ريت لو أحسن منه أو هو نفسه.
ترددها والاضطراب الذي ارتسم على ملامحها كانا خير دليل على صدق ظنه ليأتي رده المفاجئ بسرعة متناولا ذراعها ويلويه خلف ظهرها ثم يعدل وضعها في لمح البصر ليصبح خلفها. يضغط عليه بشدة لدرجة أنها شعرت وكأن ذراعها على وشك الانكسار فصرخت به.
آآآه دراعي يا طلال حرام عليك أنا عملت لك إيه بس
زمجر يذكرها بشيكاغو المنطقة
وماله لما يتكسر يا غالية ما أنا برضو راجل مقتدر وأقدر أعالجك بس المهم أربيك على فراغة عينك دي.
آآآه...
صوتها على بالأخيرة لتواصل في تحذيره
وديني لو ما سيبتني يا طلال لأكون راقعة بعلو حسي ولامة كل أهل الحارة.
زاد ضغطه بعدم اكتراث
وماله يا بت لمي وجيبي المحافظة كلها ولو في راجل واحد قدر ينجدك مني يبقى شنبي ده على مرة. ولا أنت نسيتي مين شيكاغو
دفعها في النهاية فشاهدت الخطر يتجسد فيه بأبشع صوره. خطوط وجهه المتوترة وعروقه البارزة في رقبته جعلت قلبها يسقط بين قدميها خوفا من تكرار هجومه. فتغيرت نبرتها محاولة استعطافه.
طب ليه ده كله يعني ده أنا كنت بكلمك عن اللي في نفسي. العشم غلبني يا سيدي...
اختتمت ببكاء حارق مستعينة بوجع ذراعها الذي كانت تدلكه بحرص شديد ما جعل الشفقة تتسلل إلى قلبه. ومع ذلك ظل محتفظا بجموده.
محدش اتكلم عن العشم بس أنا أكره ما عليا الست اللي تبص على حاجة غيرها ولا تغير. أدفع من جنيه لمية ألف عشانك مش عشان تقلدي فلان ولا علان.
عجزت عن العثور على كلمات تقنعه أو تخفف من بطشه فاستمرت في بكائها حتى بدأ عنفه يخف قليلا ويستمع إليها. وصلها صوت زفرته القوية
خلاص يا سامية متقطعيش قلبي. عارف إن إيدي تقيلة ودي أول مرة تجربيها بس بكرة تتعودي.
قطعت خلف الأخيرة رافعة رأسها إليه بزعر فقابل نظرتها باستخفاف ضاحكا
بهزر معاكي يا سامية. وأنا إيه اللي يخليني أكررها تاني بس طول ما أنت ماشية كويس.
هل يسعي لتهدئتهاأم انه يزيد من بث الرعب في قلبها
هي التي كانت تظن أن رغبته الكبيرة نحوها ستمنحها القدرة على ترويضه وفرض سيطرتها عليه لتحصل علي ما تريد.
لكن هاهو يذكرها من جديد بطبيعته المتوحشة. كاد أن يكسر ذراعها منذ لحظات .ومع ذلك هي لاتستطيع الإعتراضحتي إرضائها يفعله بطريقته.
ليكي عليا يا ستي أعملك فرح تشهد عليه المنطقة كلها والفستان اللي عايزاه من أي حتة تختاريه وكل اللي تحتاجيه أجيبه. لكن تقوليلي أغير قاعة ولا شبكة انسي يا غالية. كل واحد يلبس توبه يا حبيبتي فاهماني
متكئا بجذعه على الفراش يراقبها وهي تبدل ملابسها في محاولة لاختيار الأفضل من بين المجموعة التي جلبتها حديثا للمناسبات الخاصة.
ها إيه رأيك بقى في ده حاسة لونه لايق عليا ده غير إنه مناسب لا هو ضيق ولا شفاف حلو صح
قالتها تشير إلى الفستان الذي ترتديه بلونه الأخضر بلمعة محببة وتصميم بسيط على الجسد الملفوف بعض الشيء. فقد اكتسبت بعض الجرامات القليلة بعد زواجها
هو فعلا حلو يا صبا حلو بزيادة كمان لكن أنا من رأيي تنقي غيره ياريت لو حاجة عادية.
ضحكت تقابل قوله بمزاح
عادية إزاي يعني ألبس عباية بيتي مثلا إيه يا باشا ده الفستان التالت اللي ألبسه.
مط شفتيه بعدم اكتراث
والله حظك أعملك إيه بهدلي نفسك شوية عن كده وانت تلاقي الدنيا تسلك معاكي.
قهقهت ضاحكة بشقاوة فقد كان دائما ما يغلبها بغزله ومزاحه. ثم خطت نحوه وجلست بجانبه على الفراش لتعلق على قوله.
خلاص يبقى ادعيلي أخلف وأنا ساعتها هلخبط وأبقى كلابيظو كمان.
لمست كلماتها شغاف قلبه المتيم المتلهف لرؤية ثمرة حبه في الأطفال منها. تنهد بجدية ثم رد على قولها.
أنا بدعي ليل نهار يا صبا عشان أشوف أولادي منك وربنا العالم أعمل إيه تاني
تأثرت بشجن لكلماتها وشعرت بالحزن في نبرته فسرعان ما حاولت تلطيف الموقف.
شادي أنا بهزر على فكرة ثم متنساش كلام الدكتور لما أكد إن إحنا الاتنين تمام وعال العال هي بس مسألة وقت.
تأوه بلوعة ردا على كلماتها
آه يا صبا ع الوقت. هو أنا اللي تعبني غير الوقت رغم إني اتعودت على الصبر في كل مراحل حياتي واتحملت وعديت إلا دي حاسسها صعبة أوي. نفسي أشيل أولادي منك النهاردة.
حبيبي بكرة تشيلهم وتفرح بيهم كمان.
قالت ذلك حينها تذكرت هي
صحيح نسيت أقولك أصلي عايزة أستأذنك في مشوار كده. أمنية بنت عم المرحوم ناصر الدكش خلفت وعايزة أروح مع أمي نباركلها ونعمل الواجب.
قرص وجنتها يبلغها قراره
روحي يا ست صبا يا أم الواجب عقبال ما تيجي تباركلك أنت كمان.
هللت بصخب تضحك
اللهي يسمع منك يا شادي يا ابن أم شادي يا رب يا رب.
بجوار النافورة العتيقة التي تتوسط الحديقة وقفا يلتقطان الصور كما فعلا في عدة أماكن داخل القصر وخارجه بواسطة المصور المحترف الذي فاجأها ليقوم بنشر الصور على عدة مواقع إعلانا للعامة عن قرب موعد زفافهما.
بصي عليا أنا يا عروسة أومأت عيناها بطاعة بينما يلتقط الصورة كما فعل في عدة أوضاع أخرى تعكس العشق في عينيهما.
واحد اتنين تلاتة... هايل.
انتهى أخيرا ليقترب منهما ويريهما النتائج الرائعة لصور تخطف القلب والعقل. كان
قلبها يدوي في صدرها كالطبول دون توقف تتأمل هذه الصورة وتعانق عينيه عينيها أو تلك الثانية وهي تميل عليه وهو يأسرها بابتسامة وتلك وتلك... لقد رضيت عن معظمهم إن لم يكن جميعهم. حتى إذا انصرف الرجل توجهت إلى حبيبها تعاتبه
كده برضو يا رياض مش كنت تديني فكرة أولا قبل ما تجيب الراجل وتطبوا عليا كده زي القضا المستعجل
القضا المستعجل! 
تمتم بها ضاحكا لتردف هي بتوضيح
أيوة يعني أنا قصدي كنت غيرت هدومي ولا أتمكيجت.
إنت كده زي القمر مش محتاجة. أوقفها بعبارات الغزل التي لامست قلبها ولكنها حاولت الثبات تجادله
يا سيدي ربنا يخليك أنا قصدي يعني يبقى شكلي حلو أكتر من كده...
ليغمرها الخجل تحاول تنبيهه
رياض الجنينة مكشوفة والناس رايحة جاية ع الجمعية خلي بالك.
ضحك بصوت مكتوم وهمس بجوار أذنها
طب وإحنا مالنا بالناس ولا هما مالهم بينا أنا راجل بقاله فترة في الجفاف العاطفي يعني محدش يلومني عشان
تبقي عارفة.
يا سيدي والجفاف ناقح عليك دلوقتي ما خلاص الفرح قرب أهو إحنا على وشك.
طب أعمل إيه في قلبي المشتاق تساءل بها بأعين تصرخ بصدقها رغم ادعائه المزاح ليضيف إلى قلبها المزيد من الرجفات اللذيذة. لطالما سمعت منه كلمات العشق والغزل ولم تشعر بطعمها سوى الآن. ما أجمل ذلك الشعور وما فائدة الحب في الخفاء إن لم يكن كضوء الشمس لا يسمى عشقا من الأساس.
ما شاء الله ساحة القصر بقت مكان مخصص للفوتوسشن. جاء الصوت الحاد منبها للأثنين ليختطفهما من حالة الوله التي كانت تحيط بهما. التفا نحو المرأة العجوز القاسية بتلك النظرات التي توشك على قتلهما وقد كانت قريبة منهم ترافقها تلك المرأة المساعدة لها مدام إيفون. فجاء الرد من رياض قائلا
عندك حق يا بهيرة هانم أنا اللي اخترت القصر عشان أنشر منه صور ارتباطي ببهجة عايز الدنيا كلها تعرف بقرب فرحي عليها.
امتقعت ملامح بهيرة بالغضب الشديد بعد أن أفحمها بقوله ولم يتبق لها سوى النظرات الحارقة التي توجهها نحوهما فتدخلت إيفون لتبدي فرحتها على حرج
طبعا حقك يا بني دا قصرك وقصر أجدادك قبل ما يكون مقر للجمعية ألف مبروك يا رياض باشا ألف مبروك يا بهجة.
ردت بهجة على المرأة باضطراب وتوتر وهي تقف بالقرب منهم رغم دعم حبيبها
الله يبارك فيك يا مدام إيفون تسلميلي.
رد رياض هو الآخر على تهنئة المرأة ومباركتها قبل أن يجفل ويجفل من معه بحضور مفاجئ لآخر شخصية يتوقع رؤيتها الآن.
عدي! هتف بالاسم كنداء واستفهام وهو يرى قدومه نحوهما بأناقته المعروفة ليخطف انتباه بهيرة التي استقبلت مجيئه بفرحة كطفلة صغيرة سعيدة بعودة والديها وفتحت له ذراعيها.
عدي حبيبي! اقترب عدي منها. فقد كان المفضل لديها دائما ورغم قسوتها مع الجميع وعيوبها لكن قلبها ينبض ويتأثر بأقل لمسة حانية.
حبيبي يا ابني وحشتني أوي إمتى رجعت من السفر وليه مقولتش إنك جاي
وأبصاره نحو صديق طفولته وعروسه
أنا جاي في زيارة سريعة يا ماما بدعوة فرح وصلتني على تركيا مخصوص صاحبي وحبيبي الغالي رياض.
حبيبي. هتف بها الأخير أمام أبصار بهيرة التي عاد إليها الغضب ظاهرا بقوة. حتى إذا انتهيا تكفل رياض بتقديم عروسته إليه
دي بهجة يا عدي عروستي.
صافحها عدي بترحاب شديد قبل أن ينهي بسؤاله
طب أنا كده بقى جيت في الميعاد المناسب للفرح هو إمتى بالظبط فكروني.
عدي! كانت هذه صيحة نجوان التي أتت من الخارج ليتوقف لرؤيتها المذكور مهرولا بلهفة
معقول خالتو نجوان أنا مش مصدق عيني! وانطلق إليها غير منتبه لغضب والدته التي ارتسمت تعابير الغيظ الشديد على وجهها.
اليوم الموعود
اقترب ولا تتردد في اقتناص فرصتك كن مغامرا ولا تخشى الغرق كن جسورا في الدفاع عن عشقك لا تؤجل فرحتك أو تنتظر حتى لا تضيع من يدك فرصتك في الحياة فتظل حبيس الحسرة المتبقي من عمرك.
دا كأني في حلم وبقول يا سلام
معقول يا قلبي بقينا ليه
وهادينا يا دنيتنا بأحلى أيام
الفرح دا إحنا أولى بيه.
أنا هفضل جنبك
وهعيش سنيني معاك
يا حبيبي كلها
وهطمن قلبك وهملي عيني
بأحلى دنيا أنا شوفتها.
أنا في عنيك الحلوين سرحت
من إمتى ونفسي تكون ليا
أول ما شوفتك أنا اتصالحت
مع نفسي وأيامي الجاية.
تصدح كلمات الأغنية في قلب القصر الذي تحولت ساحته الداخلية إلى قاعة كبيرة تضم جميع المدعوين من أقارب ومعارف العروسين. وقد تحول الحلم أخيرا إلى واقع أصبحت حبيبته في النور وأمام الجميع بعد أن تخلى عن عقده تاركا كل هموم الماضي لا يلتفت إلا لسواها. يكفيه النصف الضائع من عمره ليستقبل الآتي معها وبرفقتها حتى لا تصيبه التعاسة في ابتعادها عنه. وقد تأكد له الآن أنه إذا خسرها خسر حياته معها.
أنا هفضل جنبك
وهعيش سنيني معاك
يا حبيبي كلها
وهطمن قلبك وهملي عيني
بأحلى دنيا أنا شوفتها.
الفصل السابع والأربعون
في هذه الحياة نحن أسرى لاختياراتنا نحيا ما صنعته قراراتنا بأيدينا ندفع الثمن بابتسامة حينا وبزفرات عميقة حينا آخر وبينما تمضي الأقدار بنا تبقى لحظات الفرح البسيطة كرقصة عفوية أو أغنية تنبض بالحب ملاذا يخفف وطأة الأيام هناك من يهرب إلى ضحكة جماعية وهناك من يختلي بذاته حائرا بين العقل والقلب وفي كل منعطف يظل القدر هو سيد الحكايات يربط خيوط الماضي بالحاضر يفتح أبوابا ويغلق أخرى ليتركنا نتساءل هل كان الاختيار حقا لنا أم أنها لعبة الزمن التي تقودنا
اهداء الجميلة سنا الفردوس
هل تلك نغمات تطن في أسماعها أم هي سحب وردية تسحبها معه إلى عالمهما الجميل خطوة مع خطوة يبتسم فتبادله ابتسامته يدندن معها ليست تلك كلمات بل هو ما استوطن بقلبيهما وأتى اليوم ليخرج ويعلن أمام الملأ
غير منتبهين لأحد وكأن العالم قد خلا عليهما أميرة بل هي سندريلا ولكن في نهاية القصة بعد أن عثر عليها أميرها ليتحدى بها العالم والآن وقت رقصتهما في الحفل المكتمل لن تهرب هذه المرة خوفا من افتضاح حقيقتها ولن يدور هو بحثا عنها لقد انتهت رحلة العذاب والآن بدأت رحلة الاستقرار لقد حان الوصال
حكايتنا كملت كلمات
حكايتنا كملت
وكان في وعد نفذته
وشيلتك في عنيا
اسمك واسمي جنب بعض
ولآخر عمري شريك فيا
أجواء الحفل الأسطوري كانت تضم عددا لا بأس به من وجهاء المجتمع رجال أعمال وسيدات من أفراد العائلة العريقة من أهل العريس وأهل العروس من الطبقة المتوسطة والعادية كان أبناء عمها حاضرين بدعوة وجهت إليهم كالغرباء كما وجهت أيضا لعدد من أبناء الحارة التي كانت تسكن بها بهجة كوالد طلال وطلال الذي حضر مع خطيبته ووالدتها أتى بهما بإصرار وتحد حتى إن رأى منها تمردا أجهضه بالقوة
فجلس بهما على طاولة تخصهما وحدهما كان يراقب رد فعلها هي ووالدتها التي كادت عيناها تخرجان من فرط انبهارها بكل شيء حولها عكس ابنتها التي غمرتها الحسرة جسدها ترجم ما بداخلها بلغة يفهمها هذا المتربص جيدا
مالك يا سامية حاسك مش على بعضك ليه
مش على بعضي إزاي يعني ما أنا كويسة أهو كويسة خالص كمان ولا في حاجة مش مظبوطة مثلا
أطالت في الكلام لتزيده يقينا بتشتتها بإنفعال مكتوم عقب محذرا لها ولوالدتها
طيب خلي بالك يا كويسة عشان البص في كل حتة لافت نظر الناس عليكم والناس اللي هنا غير اللي متعودين عليهم في الحارة
إلى هنا لم تقو على كبح غضبها
أفندم بقى ليكون هما من طينة وإحنا من طينة تانية لا يا حبيبي البنت اللي فوق دي هي وأخواتها مكانوش لاقيين
قطعت كلامها منتفضة برعب حينما زجرها بنظرة مخيفة ارتعدت لها أوصالها وأضاف بلهجة تهديدية
لمي لسانك يا سامية لمي لسانك واعملي لنفسك مقام بدل ما أعرفك أنا بطريقتي المقام اللي تستحقيه
تجمعت الدموع في عينيها وهي تنظر نحو والدتها تطلب منها الدعم فحاولت درية التدخل قائلة
يا طلال يا بني هي مش قصدها تشتمها هي بس يعني
قاطعها بحدة
اسكتي بقى يا حماتي بلا قصدها بلا ما قصدهاش أنا غلطان أصلا إني جيبتها كان حقي أحرمها ما تعتبش الفرح ده أساسا
بحنق شديد غفلت عن الكلمات التي تسقط من فمها وقالت
ليه بقى إن شاء الله ده فرح بنت عمي على فكرة مش واحدة غريبة عني
استدار لينظر إليها ويحدجها بنظرة كاشفة ثم تمتم بما ألجمها
بنت عمك مش دي اللي من شوية كنت بتقولي إنها وأخواتها مكانوش لاقيين الأكل ولا إيه يا حماتي
أصاب الأخيرة الخرس حينما وجه اللوم الصريح نحوها فأشاحت ببصرها عنه تهرب من مواجهته وقعت عيناها على ولديها سامر الذي تجاوزها وأصبح يتصرف بطبيعية وقد وجد ضالته في شيء آخر وسمير الذي رغم وجود زوجته بجواره وابنه في حضنه كان الحزن والحسرة مرسومين بوضوح على وجهه
وفي ناحية أخرى وتحديدا في وسط القاعة وبعد إصراره على أن تراقصه على أنغام الموسيقى الرومانسية رضخت لرغبته بعد إلحاح منه لتجد نفسها الآن محاطة بذراعيه وكفه التي تحط أحيانا على خصرها أو ظهرها في وضع لا يريحها
هشام ابعد شوية مينفعش كده
سمع منها ليقرب وجهه أكثر
أبعد إزاي يعني عايزني أبان زي التمثال وأنا برقص معاكي دا حتى الناس يضحكوا علينا يا أستاذة
زمجرت داخلها برفض عبرت عنه
محدش قالك تبقى زي التمثال بس ابعد وشك شوية ولا إيدك دي كمان بتحركها ليه ع الفستان
فستان
تمتم بها بخبث مردفا
وماله لما إيدي تيجي ع الفستان يا صفية مش أنا كاتب كتابي عليكي وشرعا فستانك بقى من حقي يعني إيدي تيجي كده ولا كده دا يعتبر شيء عادي
قال الأخيرة وهو يدفعها من الخلف لتصطدم بصدره ووجهها لا يفصل عن وجهه سوى سنتيمترات شهقت مجفلة لفعله لتدفعه بدورها وتبتعد عنه فهرولت تاركة إياه في وسط صالة الرقص دون أن تلتفت إليه أو ترى رد فعله توجهت نحو الطاولة التي كانت تجلس
عليها وعادت إلى مقعدها فتبعها هو ليواجهها بغضب
دا برضو كلام يا أستاذة يا محترمة تسيبيني في نص القاعة قبل الرقصة ما تخلص الناس تقول علينا إيه دلوقتي
طالعته بحدة تصيح به كاظمة غيظها المكتوم وبصوت تجاهد ألا يصل للآخرين
أيوة يصح ويصح أوي كمان والناس يقولوا ولا يغلطوا حتى عامل حسابهم أوي يبقى تحترم نفسك وبلاها قلة أدب وتحرش!
أشار بسبابته نحو صدره وكأنها وجهت له إهانة
أنا قليل أدب لا ما اسمحلكيش المرحلة دي لسه موصلنهاش أساسا أما بقى عن التانية فدي اسمها لمسات بريئة يا أستاذة نسميها تحرش بقى إمتى
توقف وهو يشير بيده نحو عدة مناطق في الجسد متابعا بخبث
لما إيدي تيجي هنا أو هنا أو هنا
بااااااس!
صرخت بها لتوقف استرساله مطالبة إياه بالكف عن عبثه المتعمد قليل الأدب الوقح كما كانت تسبه الآن في داخلها فتنهاه بقهر
مية مرة أقولك يا هشام بلاش أسلوبك ده معايا! أنا متعودتش على الجرأة مع أي حد وأنت كل مرة تزود مش عايزة أرفع صوتي بس أنا محبش حد يتعامل معايا كده
تركها تنهي كلماتها ثم ربع ذراعيه فوق صدره بملامح عابسة وتحدث بهدوء
بس أنا أحب كده عشان أنا جوزك على الورق دلوقتي وشرعا أمام ربنا يعني حقي أتجرأ وإنت واجب عليكي تعودي نفسك مدام قبلتي بيا كزوج يبقى أكيد في حتة في قلبك على الأقل عايزاني ولا أنا غلطان يا صفية
مهما أخفت أو أنكرت سيأتي عليك الوقت الذي لن تجد فيه الفرصة للكذب وذلك إن حوصرت بالسؤال المباشر كما يحدث الآن وقد بدا على ملامحها بوضوح أمام مواجهته لتجيب بمراوغة
والله أنا لو كارهاك أو مش طايقاك مفيش قوة في الدنيا كانت هتجبرني أوافق على خطوبتي منك أو كتب الكتاب
تبسم بثقة قائلا
طب حلو أوي يا أستاذة طمنت قلبي يا شيخة
وكالعادة خجلت من مواجهة عينيه تلك المرأة المحاربة في الدفاع عن حقوق النساء أمام المحاكم والقضاء تصبح كالقطة الوديعة حين يغلبها الحياء
رفعت رأسها فجأة منتبهة لصوت الصفير الذي علا في قلب القاعة من

بعض الحضور تشجيعا وتحية لحمل العريس لعروسه دار بها لعدة لحظات قبل أن يتوقف لتضع قدميها على الأرض
مشهدهم الجميل ارتد بأثره على تلك المتزمتة دائما التي تتخذ الجمود وسيلة لفرض احترامها على الجميع غزت الابتسامة ثغرها وهي تتابع فرحة العروسين جذب ذلك انتباه الجالس أمامها الذي كان يتابعها بتمعن لكل خلجة وكل همسة منها فعلق قائلا
عجبك شكلهم يا صفية يبقى انتظري يوم فرحنا وليكي عليا ما خلي رجلك تلمس الأرض لساعة كاملة وأنا بلف بيكي
استدركت حالتها لتعي علي كلماته فتبسمت ضاحكة بعدم استيعاب
إيه اللي بتقوله ده ساعة!
وأكملت ضاحكة لترتشف من عبوة المياه الغازية تخفي توترها المكشوف أمامه
بقولك اللي هيحصل يا صفية وبكرة تشوفي
عادت العروس والتي كانت كالملكة تعانق مليكها وتراقصه على أنغام الموسيقي الرومانسية ثم جلست متربعة على عرشها بجواره تتلقى التهاني والمباركات بمقام يليق بها رافعة رأسها بعزة 
كانت هذه هي النهاية الأفضل لقصة معاناتها ما أجمل الجبر بعد الصبر! فقد تحقق لها ما كانت تطمح إليه وأصبح قلبها الذي عانى طويلا ينبض بالأمل من جديد
أما هو فسعادته كانت تتجاوز سعادتها بمراحل ألقى كل عقد الماضي خلف ظهره متجاوزا أفكارا قميئة ترسخت في عقله منذ مولده وقد تيقن بالتجربة أن لا قيمة لأي شيء أمام راحة قلبه وبهجته
مبسوطة يا بهجة
سألها هامسا مقربا وجهه منها يتأمل ملامحها بشغف تلك العينان الصافيتان بخضرتهما المتوهجة اليوم كحجر زمرد نادر لا يضاهي جماله شيء اللعنة على غبائه الذي كاد أن يفقده هذا السحر! وليذهب عالم المال والأعمال والسلطة والجاه أمام نظرة واحدة منها وابتسامة خلابة كتلك التي تبادله بها الآن
أنت بتسألني يا رياض أنا مش مبسوطة أنا طايرة! عارف يعني إيه طايرة ربنا يخليك ليا حققت لي أمنية ما كنتش أتصور إنها تحصل أصلا 
رفع كف يدها إلى شفتيه يطبع قبلة على ظهرها ثم همس بشغف
كده بقى محدش له حجة يمنعك عني حتى لو خطفتك ورحت بيكي المريخ محدش هيجرؤ يحط عينه في عيني لا أخوكي العبيط اللي بيرقص مع أصحابه هناك ده ونسي حتى ييجي يبارك لنا ولا الكابتن شادي اللي مشغول بالرغي مع مراته على جنب لوحدهم وبرضو نسي ما يبارك لنا 
ضحكت تتطلع نحو الاثنين اللذين كانا بالفعل منشغلين عنها بدا أنهما قد سلما الراية ودفة الشراع تاركين شأنها لتسوقها رياح الاطمئنان والأمان مع وليفها بعد التشتت والعذاب التفت كل منهما إلى شؤونه الآن
أممم 
زامت شفتيها بمرح وعلقت علي حديثه
منسوش يا عم الخبيث! هما بس مستنيين الدنيا تخف شوية وهييجوا يباركوا ويرقصوا كمان ولا انت صدقت إنهم سابوا مكانهم دي مجرد استراحة بس 
لا والله!
قالها ضاحكا ليقترب أكثر مردفا بوعيد
طب خلي حد فيهم يقدر يحوشني عنك تاني ده أنا هنسيكي طريق بيتكم أصلا لسنة قدام!
قالها وضحكاته تملأ المكان اضطرت هي إلى دفعه بمرفقها ليصمت عن عبثه وقد أشعل الخجل وجنتيها وبدا عليها الاضطراب واضحا تمالكت نفسها بصعوبة وهي تنبهه إلى قدوم مصطفى عزام وزوجته
مبروك يا ابن خالتي 
قالها مصطفى وهو يمد يده مصافحا ثم جذبه من كفه ليضمه إليه بعناق أخوي
مبسوط لفرحتك يا حبيبي 
شعر رياض بصدق الكلمات في نبرته فرد عليه بحرارة متناسيا مآسي الماضي والذكريات القبيحة التي لم يكن لأي منهما يد بها
أما بهجة فقد تلقفت الصغير من نور وقبلته متبادلة مع والدته الحديث بود
أنا مبسوطة أوي إنك جيتي ونورتي الفرح لا وجايبة الأمور ده معاكي ده كان واحشني أوي!
عبرت نور عن فرحتها هي الأخرى
حبيبتي ده هو اللي فرحان بيكي! ما شوفتيش اترمى عليكي إزاي أول ما شافك اتعلق بيكي من أول مرة شافك فيها انتي جميلة يا بهجة وأنا فرحانة ليكي أوي 
مش قد فرحتي بيكي والله 
قالتها بهجة ليدور بينهما حديث سريع ثم انضم إليهما الرجلان بألفة ومحبة والتقطوا معا صورا تذكارية
وفي مدخل القاعة حيث كانت بهيرة تدلف مستندة على ذراع ابنها تمتمت بغيظ
شايف يا عدي أخوك اللي جري يبارك لابن خالته طبعا فرحان إنه ما يبقاش لوحده في العيلة متجوز من أصل وضيع!
أغمض عدي عينيه بضيق مستهجنا قولها
ماما أرجوكي بلاش الكلام ده إحنا جايين نعمل الواجب مع خالتو ورياض دا انتي بنفسك بتقولي إنه حبيبك 
عبست ملامحها المجعدة بضيق قائلة
ما هو فعلا كان حبيبي وما زال كان دايما راقي وبيفكرني بالمرحوم الباشا والدي أرستقراطي ومأصل لجدوده الباشوات ما كانش يشبه أبوه المستهتر ولا والدته اللي طول عمرها شاردة عن أصلها الكريم واديه في الآخر لف لف وبقى زيهم رايح يتجوز خدامة!
ماما!
تمتم بها محذرا
خدي بالك الكلام ده يضرنا إحنا كمان معاه العروسة من عيلة متوسطة وخلاص مش عايزين نزود عن كده 
طرقت بعصاها وهي تغمغم بضيق
وأنا اللي ملجمني ومخليني ساكتة عن المهزلة دي غير اسم العيلة غاصبة عن نفسي أحضر فرح مش متقبلاه ولا مستوعبة حدوثه بس عشان اسم العيلة منك لله يا نجوان دايما تعباني من صغري لحد شيبتي 
في إحدى ردهات القصر المنزوية بعض الشيء وقفت تنتظر بقلق يعصف بها
تدفعها المسؤولية لتحمل ما لا تطيق ولكن شيئا ما يحثها على التجاوز والتقبل أو ربما هو أمر مختلف عن كل ما سبق ولكنها تريده
أنا جيت ومعايا آدم
هتفت بها عائشة وهي تسحب الأخير من يده والذي علق بدوره
هي دي نوجة اللي قولتي عليها
تطلعت إليه نجوان بحنين جارف وقد تأثرت بنبرته التي تحدث بها بالإضافة إلى الشبه العجيب الذي هز قلبها من الداخل شعرت وكأنها شجرة تتقاذفها الرياح بشدة ذلك القاسي الذي خدعها ورحل قبل أن تواجهه تاركا خلفه قطعة طبق الأصل منه
أتلعنه في مماته الآن بعدما ترك وراءه ما يعكس الماضي بأبشع صوره أم تحتضن الصغير الذي يعيد إليها روحها التي فقدتها مع الراحل ورغم كل أفعاله لا تزال حتى الآن لا تحمل له حقدا أو كراهية
هاي يا طنت
قالها آدم وامتدت كفه نحوها بكل ذوق تعلمه أمسكته هي دون أدنى تفكير تخاطبه بصوت بح لفرط ما يكتنفها من مشاعر
ما تقوليش يا طنت يا قلبي قولي يا نوجة زي عائشة ما بتناديلي
سمعت الأخيرة لتضيف بمرح
أيوة يا آدم نوجة دي حبيبتي وصاحبتي وكل حاجة دي أحلى ست تشوفها في حياتك أصلا
أصلا
رددها آدم ضاحكا ساخرا من طريقتها فتدخلت نجوان قائلة
طب إيه رأيك تيجي تعيش معايا الشهر اللي هيقضيه رياض بره مصر مع عروسته وتحكم بنفسك إن كانت هي بتبالغ ولا أنا فعلا كده 
سمع منها آدم وتوجه نحو عائشة مستفسرا بحيرة تابعت نجوان لتطمئنه
عشان تطمن أكتر عائشة كمان هتقضي
معايا الفترةدي أنا جهزت أوضتين واحدة ليها وواحدة ليك ها إيه رأيكم أنتوا الاتنين
سمعت عائشة فهتفت بفرح
أنا طبعا جاية! هقضي الشهر كله معاكي يا نوجة
ولفت ذراعيها حول خصرها تعبيرا عن فرحتها مما شجع آدم أيضا على الموافقة
أنا كمان موافق مدام هلعب مع عائشة
أيوة بقى
قالتها عائشة بينما اقتربت نجوان من الصغير لتقبله أعلى رأسه
ده بيتك وبيت والدك يا حبيبي وأنت هتيجي

تنور مكانك
ترجل من سيارة الأجرة التي توقفت بالقرب من القصر والهاتف على أذنه يتحدث مع صديقه والد طلال الذي كان يتابع معه
أيوة يا سيدي نزلت أنا ومراتي من العربية بس أنت متأكد إن ده القصر فعلا اللي معمول فيه الفرح آه ماشي ماشي هاخد طريقي دوغري زي ما قلتلي جايلك أهو
أنهى المكالمة والتفت ليسحب زوجته بضجر
ما تمدي رجليكي بقى يا ولية الفرح قرب يخلص مش كفاية عطلة البيت والعيال اللي كانو ماسكين في رقابينا
ردت هي بعتب
الله! برضو التأخير هتجيبه في العيال ما المساكين سكتوا واتراضوا أنت اللي اتأخرت عند الحلاق! هنكدب بقى
نفث دخانا من أنفه بضيق شديد ورد بنبرة غاضبة
يعني المشكلة بقت في الحلاق مش في عيالك اللي نهبوا تلت آلاف جنيه مراضية بأكل من برا عشان يوافقوا يسبونا نمشي لوحدنا اسكتي اسكتي! أنا مبقوق ومعبي ومش عايز أتكلم لانفجر أنا قربت أشحت بسببكم
تجاهلته وأشارت إلى القصر بانبهار
يا حلاوة يا ولاد! ده إحنا داخلين في قصر فعلا إيه ده إيه ده بقى أنت عندك بنت أخ متجوزة باشا من بتوع زمان ومخبي عليا يا خميس الله يسامحك طب قولي عشان أعمل الواجب
واجب!
تمتم بها خميس زاجرا بنظرة مشتعلة يود لو يفرغ بها غضبه فما يعانيه منها من ابتزاز متعمد طوال الوقت يجعله يلعن الساعة التي رآها بها
يفضل لو عاد به الزمن ليتجنب خطأ الزواج منها فقد اكتشف أن نار درية أرحم من جنتها على الأقل الأخرى لا تعايره طوال الوقت بكلمات مبطنة تنقص من قدره كرجل أمام امرأة مثلها لا يقدر عليها إلا الله
وداخل القصر
صعدت الجميلة صبا برفقة زوجها إلى منصة العروسين لتهنئتهما وتقديم المباركة قابلتها بهجة بفرح لتسحبها إليها وتضمها بحب أما شادي فقد قابل العريس بابتسامة مازحة
أكيد مستنيني من أول الفرح بس أنا قولت أخليك تاخد نفسك شوية وأريحك مني الحبة دول
قهقه رياض معلقا بتحد
يا حبيب قلبي مستغناش طبعا ما تقولش كده أنت فعلا هترتاح على طول بعد كده عشان خلاص ما بقاش في حجة وبهجة كمان بقت ملكية خاصة بالإشهار دلوقتي محدش يملك يفرقنا عن بعض أبدا
لم يقو شادي على الإنكار فعبر عن فرحته باستسلام
والله ده شيء يسعدني وربنا يديم محبتكم لبعض هي تستاهل العوض وأنت أكيد كنت محتاجها
تنهد رياض بعمق مرددا
آه والله كنت محتاجها محتاجها أوي ربنا يخليهالي
آمين يا رب آمين
تمتم بها شادي ليبادله رياض الضحك والمزاح حتى طلبت بهجة التقاط صور تجمع الأربعة معا وبعد التقاط الصور انسحب شادي وزوجته تاركين المنصة للعروسين غافلين عمن وقف بالقرب منهم مذهولا يراقب نزولهما
كان عدي لا يصدق عينيه أوهم هذا ما يراه أم تلك أحلام يقظة سعيدة ولكن كيف تكون سعيدة بوجود هذا الرجل الذي هزمه رغم ضعفه وخطف المرأة الوحيدة التي تمناها ولم يحصل عليها هنا يبرز السؤال ما علاقة هذين الاثنين بابن خالته وعروسه
لم يدع نفسه للحيرة أكثر من ذلك وصعد سريعا ليبارك لرياض الذي قابله فاتحا ذراعيه
عدي باشا!
بعناق رجولي ضمه إليه مهنئا
حبيبي يا رياض فرحتي بيك ما تتوصفش
ده أنت اللي حبيبي يا صاحبي
صافح عدي بهجة ليهنئها هي الأخرى ثم تبادل المزاح مع رياض قبل أن ينفرد به هامسا
الراجل والست اللي طلعوا من شوية دول تعرفهم منين
اهتز رأس رياض بعدم تركيز فأشار إليه بذقنه نحو الطاولة التي يجلس عندها الاثنان تطلع إليهما ثم أجاب
ده شادي ابن عمة بهجة واللي معاه مراته بتسأل ليه
وكأن الرد كان جليا على ملامح عدي التي تغضنت بحزن
وإلى طاولة سامر وشقيقه
استغل الأول انصراف إسراء للحديث مع إحدى السيدات ليتوجه نحو شقيقه بلوم
إيه يا عم سمير ما تاخد بالك شوية واصحى بدل ما أنت مفضوح كده بسحنتك المقلوبة دي أي حد هيشوفك هيعرف اللي فيها إشحال بقى مراتك اللي كاتمة في قلبها وساكتة
سمع منه سمير ليعقب بيأس وعدم اكتراث
تكتم ولا تفضح حتى أنا ميهمنيش حد يا سامر الخنقة اللي أنا فيها تخليني أولع في الكل منغير تردد وهي عارفة كده بدليل إنها ساكتة عشان متأكدة إن الحكاية خلصت بجواز غريمتها إنما أنا قلبي هيفضل محروق مهما حاولت أتجاوز أو أعمل نفسي ناسي منهم لله أمك وأبوك ضيعوا مني الحاجة الوحيدة اللي حبيتها
بماذا يعقب والمرارة التي تظهر في صوت شقيقه تكشف حجم معاناته رغم ذلك لم يكن سمير بريئا تماما من ذنبه فهو أيضا يتحمل قسطا كبيرا من الخطأ حين تخلى عنها وتركها تصارع الأهوال في تربية أشقائها رغم صغر سنها آنذاك ولكن لا داعي للجلد الآن أو صب اللوم فليخفف الله عنه مصيبته
يا نهار أبوك اسود شوف مين اللي جاي!
تمتم بها سمير لافتا انتباهه نحو مدخل قاعة القصر التي يقام بها الحفل حيث يدخل خميس بصحبة امرأة تلفت أبصار الجميع نحوها بزينة وجهها المبالغ بها وفستانها الأحمر الصارخ حجابها الصغير يغطي نصف رأسها فقط كاشفا عن شعرها المصبوغ باللون الأصفر تتأبط ذراع خميس بثقة وكأنها المرأة الوحيدة الجميلة في القاعة
يا ستار من الفضايح يا رب
غمغم بها سامر بضيق ملحوظ قبل أن تقع عيناه على من جاءت خلفهم
والتي خطفت الأبصار نحوها هذه المرة بانبهار وإعجاب هي لورا التي بدت كعارضات الأزياء العالميات بفستانها الأسود الطويل ذو الفتحة الكبيرة من أعلى الركبة التي أظهرت سيقانها اللامعة كانت الحمالتان العريضتان في أعلى الفستان وشعرها الحريري المصفف بطريقة مميزة لا تليق إلا بها يجعلانها قبلة للأنظار
وفي مقارنة سريعة عقدها سامر بين المشهدين شعر بالنقص وشيء غير مريح كان غافلا عنه لكنه بدا واضحا الآن
آه يا خميس الكلب ساحب البهيمة دي وجايبها الفرح كمان
صدر هذا التعليق من درية وهي تتابع دخول الاثنين مما أثار استياء طلال الذي لم يعجبه الأمر
لا إله إلا الله خلي بالك من ألفاظك يا حماتي مش عايزين فضايح الله يرضى عنك ولا حد يجي يسحبنا من قفانا ويخرجنا ويقول علينا بيئة كل اللي في الفرح ده ناس عليوي ما تعرفش كلامك ده 
ردت عليه درية بنبرة ظهر فيها الاستهجان بوضوح
بيئة وكمان يطردونا ليه بقى كان القصر الجمهوري ده إن شاء الله ولا إيه أنا بتكلم من قهرتي الراجل الأهبل مش عامل حساب لسنه ولا منظره جررها معاه وساحبها هي دي أشكال تدخل حتت نظيفة زي دي
سامية التي كانت تساند والدتها أضافت بتأييد
عندك حق يا أما ده كفاية البويا اللي ملغمطة بيها وشها ولا الفستان الأحمر ده لوحده حكاية!
رغم حنقه من تهكم الاثنتين إلا أنه لم ينكر صدق حديثهما زفر طلال بغيظ مشيحا بوجهه عنهما وهو يحدث نفسه بندم
يا ريتني ما سمعت نصيحتك يا بويا ولا اتصلت بيه أبلغه بأمر الدعوة ده حتى عياله نفسهم مستعرين منه!
أما بهجة فقد تصلبت مكانها فور أن وقعت عيناها عليه يصعد نحوها بصحبة تلك المرأة ليبالغ في تهنئتها
بهجة بنتي حبيبتي!
هجم عليها يجذبها من ذراعيها لكن هذا الغيور تدخل على الفور وأبعده عنها بحزم
استنى هنا بنتك مين يا حج ابعد

كده!
تلجلج خميس مبررا أمام صمتها
أنا أنا أبقى عمها يعني في مقام أبوها بالضبط 
عمي بس أنا أبويا مات من زمان على العموم تشكر يا عمي 
قالتها بهجة بحسم لتصب الحرج على خميس الذي حاول تدارك خزيه
آه معلش يا بنتي أكيد متأثرة بس هي قالتلك أهو أنا أبقى عمها ولا إيه يا عريس ده أنا حتى جاي أباركلك معاها 
صافحه رياض بضغط قوي على يده مانعا إياه من الاقتراب أكثر أو احتضانه ليؤكد له مكانته كغريب أما صفاء التي ضحكت ببرود مدعية عدم الفهم فقد حاولت هي الأخرى تكرار فعل زوجها معتبرة أن كونها امرأة سيمنحها حرية التصرف
أنا بقى عارفة نفسي مرات عمك الجديدة يا عروسة 
وقبل أن تفعل ما يدور برأسها وجدت كف رياض كحاجز يمنعها من التجاوز مع ابتسامة لا تخفي فظاظته
معلش عشان المكياج 
أومأت برأسها تواصل ضحكها باضطراب
آه صحيح عندك حق ألف مبروك يا عروسة ألف ألف مبروك!
قالتها وهي تلملم حرجها ثم نزلت عن المنصة تبحث عن طاولة تضمها هي وزوجها الذي أدرك جيدا مكانته حتى لا يأخذه العشم ويطمع فيما هو أكبر
أما عن رياض فقد التفت ليطمئن على بهجة فور مغادرتهما
أوعي تكوني زعلانة عشان عاملته بقلة ذوق 
هزت رأسها نافية على الفور
وهي فين
قلة الذوق أنت اتصرفت بحماية ليا وأنا اتصرفت بطبيعتي لأني رافضة أي دور يفرضه عليا دلوقتي بعد ربنا ما كرمني بيك ما هو كان ناسي طول السنين اللي فاتت ودلوقتي افتكر إنه في مقام أبويا وفاكرني هتكسف من شكلي قدامك لا طبعا 
يدعمها بثقة
أيوة بقى أنا عايزك تبقي قليلة ذوق براحتك جوزك معاكي وفي ضهرك 
لم تخجل من فعلته بل عبرت عن امتنانها
تم نسخ الرابط